الصفحة 19 من 30

منه بما أوتوه من الموعظة والسلطان، ويزجروا المفسدين عن ذلك الفساد حتى يرتدعوا، فإن هم تركوا ذلك وتوانوا فيه لم يلبث الفساد أن يسري في النُّفوس، وينتقل بالعدوى من واحد إلى غيره، حتى يعمَّ أو يكاد، فيعسرَ اقتلاعُه من النُّفوس، وذلك الاختلالُ يُفسِدُ على الصَّالحين صلاحَهم، وينكِّدُ عيشَهم على الرَّغم من صلاحهم واستقامتهم، فظهر أنَّ الفتنة إذا حَلَّت بقوم لا تصيب الظالمَ خاصةً، بل تعمُّه والصالحَ، فمن أجل ذلك وجب اتقاؤها على الكلِّ، لأنَّ أضرار حلولها تصيب جميعهم» [1] .

وفي الأحاديث النبوية ما يؤكِّد هذا المعنى، فعن أَبي بكر الصديق رضي الله عنه قَالَ: سمعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يأخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» [2] ، وعن زينب بنت جحش رضي الله عنهن أنَّها قالت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: أَنَهْلِكُ وفينا الصَّالِحُون؟ قال: «نعم، إذا كثُرَ الخبث» [3] ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتَ أمتي تهابَ الظَّالمَ أن تقول له: أنتَ ظالمٌ فقد تُوُدِّع منهم» [4] .

ثالثًا: نصر المظلوم:

وهو حَقٌّ من حقوق الأُخوة الإسلامية، وواجب اجتماعي وأخلاقي، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، فذكر: عيادةَ المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميت العاطس، وردَّ السَّلام، ونصرَ المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرارَ المُقْسِم» [5] .

قال ابن حجر: «نصر المظلوم: هو فرض كفاية، وهو عامٌّ في المظلومين وكذلك في النَّاصرين، بناء على أنَّ فرض الكفاية مخاطب به الجميع، وهو الرَّاجح، ويتعيَّن أحيانًا على من له القدرة عليه وحْدَه إذا لم يترتَّب على إنكاره مفسدةٌ أشدّ من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنِّه أنَّه لا يفيد، سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخيَّر. وشَرْطُ النَّاصر: أن يكون عالمًا بكون الفعل ظلمًا، ويقع النَّصر مع وقوع الظُّلم، وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه، كمن أنقذ إنسانًا من يد إنسان طَالَبَهُ بمال ظُلمًا وهدَّده إن لم يبذله، وقد يقع بعد وهو كثير» [6] .

(1) التحرير والتنوير 9: 316 ـ 317.

(2) أخرجه أحمد في المسند 1: 2، وأبو داود برقم 4338، والترمذي برقم 3057 وقال: حسن صحيح، وابن ماجه برقم 4005.

(3) أخرجه البخاري برقم 3168، ومسلم برقم 2880.

(4) أخرجه أحمد في المسند 2: 163 برقم 6521، وذكره الهيثمي في المجمع 7: 518 برقم 12110 وقال: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح وكذلك رجال أحمد.

(5) أخرجه البخاري برقم 2313، ومسلم برقم 2066.

(6) فتح الباري 5: 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت