فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ظَلَمَنِي عَبْدُكَ مَظْلَمَةً، فَيَقُولُ امْحُوا مِنْ حَسَنَاتِهِ، مَا يَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى مَا يَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ كَسَفْرٍ نَزَلُوا بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، لَيْسَ مَعَهُمْ حَطَبٌ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ لِيَحْتَطِبُوا، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ حَطَبُوا، فَأَعْظَمُوا النَّارَ، وَطَبَخُوا مَا أَرَادُوا، وَكَذَلِكَ الذُّنُوبُ» [1] ، وعن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ لأَخِيه فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها، فإنه ليس ثمَّ دِينَار وَلاَ دِرْهَمٌ؛ مِن قبلِ أن يُؤخَذَ لأخيه من حسناتِهِ، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات أخيه فَطُرِحت عليه» [2] .
وليس في مجازاة العِبَاد على ظُلمهم ظلمٌ، لأنَّ الظالم هو البادئ في الظُّلم، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40] ، وقال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17] .
وقد تحدَّث القُرآنُ الكريم في آيات كثيرة منه عن الظُّلم وأنواعه، والظَّالمين والعقوبات التي أعدَّها لهم، وكان من جملة ذلك أن أخبر تعالى عن عدم محبَّتِه للظَّالمين، وبغْضِه لهم، وعَدَمِ رِضَاه عنهم، فقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57 ـ 140] ، وقال عزَّ من قائل: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] .
وأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن أصناف من الظَّالمين الَّذِين يبغضهم اللهُ تعالى، ولا يحبُّهم، فذكر: الإمامَ الجائر، والغنيَّ الظَّلوم، فقال صلى الله عليه وسلم: «أرْبَعَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ: الْبَيَّاعُ الْحَلاَّفُ، وَالْفَقِيرُ الْمُختَالُ، وَالشَّيْخُ الزَّانِي، وَالإِمَامُ الْجَائِرُ» [3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ, وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلِيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا: إِمَامٌ جَائِرٌ» [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يُحبُّ اللهُ الغنيَّ الظَّلُوم، ولا الشيخَ الجَهُول، ولا الفقيرَ المختال» [5] ، وعن أَبِي ذَرٍّ رضي الله
(1) أخرجه أبو يعلى في المسند 9: 57 برقم 5122، والحاكم في المستدرك 2: 32 برقم 2221 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 3: 128 برقم 3364 وحسَّن إسناده.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 5: 2394 برقم 6169.
(3) أخرجه النسائي في الزكاة برقم 2576، والبزار في مسنده 2: 436 برقم 8453، وابن حبان في صحيحه 12: 368 برقم 5558، والبيهقي في شعب الإيمان 4: 220 برقم 4853، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
(4) أخرجه الترمذي برقم 1329 وقال: حسن غريب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والبيهقي في السنن الكبرى 10: 151 برقم 20169، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 117 برقم 3306.
(5) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 235 وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط، إلَّا أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يُبْغض الغنيَّ الظَّلوم، والشيخ الجهول، والعائل المختال» عن علي رضي الله عنه، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف، وقد وُثّق.