وأمَّا طعام الظَّالمين فهو الزَّقوم، وأمَّا شرابهم فهو الغسَّاق أو الصَّديد المشُوب بماء حميم، قال تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 62 - 67] فبعد أن ذكر الله تعالى أهل الجنَّة وما هم عليه من نعيم، وما فيها من اللَّذات والطعام والشراب، قال: {أذلك خيرٌ نُزُلًا أم شجرة الزقوم} استفهام تهكُّمِي، لأنَّه لا مقارنة بين كرامة أهل الجنَّة وما أفاضه الله عليهم من النِّعم، وبين تلك المهانة والمحنة والعذاب الذي يصيب الظَّالمين في النَّار، فطعام أهل النَّار من شجرة الزقوم، التي قال عنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ابن عباس رضي الله عنهما: «والذي نفسي بيده لو أنَّ قَطْرةً من الزَّقوم قَطَرتْ لأفسدت على أهل الدُّنيا معيشتهم، فكيف بمن ليس له طعام غيره؟» [1] ، والتَّزقُّم: هو البَلعُ على شدَّة وجهد، ثم قال تعالى: {إِنا جعلناها فتنةً للظالمين} أي: محنَةً وعذابًا لهم في الآخرة، وابتلاءً لهم في الدُّنيا، وذلك أنَّهم قالوا: كيف تكون في النَّار شجرة، والنَّار تُحرق الشَّجر؟ ولم يعلموا أنَّ مَنْ قَدَر على خلق حيوان يعيش في النَّار ويتلذّذ بها ـ وهو السمندل ـ فهو أقدر على خلق الشَّجرة في النَّار وحفظها من الإحراق، ثمَّ قال تعالى: {إِنها شجرةٌ تخرجُ في أصل الجحيمِ} أي: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، {طَلْعُها} أي: حملها، {كأنه رؤوس الشياطين} شُبِّه حملها برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة وقُبح المنظر، {فإِنهم لآكلونَ منها} أي: من طلع تلك الشجرة، {فمالِئُون منها البطونَ} ممَّا يَبْلُغُهم من الجوع الشديد، فيملؤون بطونهم منها مع تناهي بشاعتها، {ثم إِنَّ لهم عليها} على أكلها، أي: بعدما شَبِعوا منها، وغلبهم العطش وطال استقاؤهم، {لَشَوْبًا من حميم} أي: لشرابًا من غسَّاق مَشُوبًا بماء حارٍّ، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، وأتى بـ {ثم} لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة؛ فإِنَّ الزقوم حارٌّ محرق، وشرابهم أشد حرًّا وإحراقًا، {ثم إِن مرجِعَهُم لإِلى الجحيم} أي: إنهم يُخرجون من مقارِّهم ودركاتهم في الجحيم إلى شجرةَ الزقوم، فيأكلون منها إلى أن يتملَّوا، ويشربون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، كما تورد الإبل ثم تردُّ إلى وطنها [2] .
كما وصف الله تعالى عذابَ الظَّلمة من أهل الكفر بالكبير، فقال: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: 19] أي: لا يقادَر قدره، وهو الخلود في النَّار، والعِياذ بالله [3] .
(1) أخرجه أحمد في المسند 1: 300 برقم 2735، والترمذي برقم 2585 وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى 1: 326 برقم 11070، وابن ماجه برقم 4325، وابن حبان في صحيحه 16: 511 برقم 7470، والحاكم في المستدرك 2: 322 برقم 3158 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(2) انظر: أنوار التنزيل 14 ـ 15، البحر المديد 6: 267.
(3) انظر: البحر المديد 5: 180.