مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: 227] أي: أيَّ مرجع يرجعون إليه، وهو تهديد شديد، لما في {سيعلم} من الوعيد البليغ، وفي {الذين ظلموا} من الإطلاق والتعميم، وفي {أيَّ منقلب ينقلبون} من الإيهام والتهويل، والمعنى: سيعلم أهل الظُّلم ما تكون عاقبتهم حين يقدمون عَليَّ، وأيَّ منقلب ينقلبون حين يفدِون إليّ، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النُّصرة [1] .
وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لَيُملي للظَّالم حتى إذا أخذه لم يفلتْهُ» ، قال ثمَّ قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] » [2] .
فلذلك جاءتِ التَّسلية والتَّثبيت منَ الله تعالى للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنَّ تأخير العذاب عن الظالمين ليس رضًا بأفعالهم، بل هي سُنَّة الله في إمهال العُصَاة والظالمين، فالحقُّ تعالى يمهل ولا يهمل، قال عز وجل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42] فهو تعالى مُطَّلع على أحوال هؤلاء الظَّالمين وأفعالهم، لا يخفى عليه خافية من شأنهم، إنما يؤخِّر عذابهم {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} أي: لا تغمض ولا تطرف من هول ما تراه في ذلك اليوم [3] .
قال الفخر الرازي: «فالمقصود منه التَّنبيه على أنَّه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون إمَّا غافلًا عن ذلك الظَّالم أو عاجِزًا عن الانتقام، أو كان راضيًا بذلك الظُّلم، ولما كانت الغَفْلةُ والعَجْز والرِّضا بالظُّلم مُحالًا على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظَّالم» [4] .
ثمَّ وصف الله لنا ما يكون عليه الظَّالمون يوم القيامة من المذلَّة والمهانة والحيرة والاندهاش، فقال تعالى: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 43] أي: مُسرعين إلى الدَّاعي في مَذلَّة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف، أو مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفًا، {مُقنعي رؤوسهم} رافعيها إلى السماء، وذلك من شِدَّة الهول، أو من أجل الغلِّ الذي في أعناقهم، {لا يرتدُّ إليهم طرفهم} بل تثبت أعينهم شاخصة لا تطرف، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، {وأفئدتهم هواء} خالية عن الفهم، وفارغة منه، لا تعي شيئًا؛ وذلك لفرط الحيرة والدَّهشة [5] .
(1) انظر: الجامع لأحكام القرآن 13: 152، أنوار التنزيل 4: 257، البحر المديد 5: 300.
(2) أخرجه البخاري في التفسير برقم 4409، ومسلم في البر والصلة والآداب برقم 2583.
(3) انظر: تفسير القرطبي 9: 376، تفسير البيضاوي 3: 354، تفسير ابن كثير 4: 515، تفسير البحر المديد لابن عجيبة 3: 530.
(4) مفاتيح الغيب 19: 111.
(5) انظر: تفسير القرطبي 9: 376، تفسير ابن كثير 4: 515، تفسير البحر المديد 3: 530.