هذا المَقْت الذي تضمَّنه قولُه تعالى: {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، وأمَّا معاملةُ اليهوديِّ والنَّصرانيِّ من غير مُخَالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النَّهي، وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديًا، ورهنه درعه».
ثمَّ قال: «قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنحاء على عبد الله بن أبيّ وكلِّ من اتَّصف بهذه الصِّفة من موالاتهم، ومن تولَّاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النُّقمة والخلود في النَّار، ومن تولَّاهم بأفعاله من العَضد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المَقْت والمَذَمَّة الواقعة عليهم وعليه» [1] .
ثمَّ ختم الله تعالى الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أهل الكفر، فإنَّ الله تعالى يمنعهم ألطافَه، ويخذلهم مقتًا لهم [2] .
وقال تعالى: {أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] أي: من يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويُؤْثِر المقَام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام، فأولئك هم الذين خالفوا أمرَ الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره [3] .
قال ابن عَطيَّة: «حَكمَ اللهُ عزَّ وجلَّ بأنَّ من والاهم واتَّبَعهم في أغراضهم فإنَّه ظالم، أي: واضع للشيء غير موضعه، وهذا ظلمُ المعصية لا ظُلمُ الكُفر» [4] .
9 ـ ارتكاب المعاصي: سواء كانت من الكبائر أم من الصغائر، فكلُّها ظلمٌ للنَّفس، وقد وردت آيات كثيرة تصف فاعل المعصية بالظُّلم، من ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35، الأعراف: 19] ، وقوله: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231] ، وقوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} [الكهف: 35] ، وقوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [فاطر: 32] .
10 ـ مُضَاهَاة خلقِ الله تعالى: فقد تفرَّد الله تعالى بصفة الخلق والإيجاد من العدم، وليس أحد في الوجود يقدر أن يخلق ذرة من العدم، ولذلك قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11] ، وقال جلَّ وعزَّ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} [فاطر: 40] ، فالسموات السبع وما فيها من بديع خلق الله تعالى، والأرض وما بثّ فيها من دَابّة، وأنبت فيها من كلّ زوج كريم، هي من خلق الله تعالى، وما كان لأحد من دون الله أن يخلق ذرة، والمشركون لم يعبدوا الأوثانَ والأصنامَ من أجل أنَّها تخلق شيئًا، ولكن دعاهم إلى
(1) المحرر الوجيز 2: 203 ــ 204. وينظر: مفردات الراغب 2: 535.
(2) انظر: الكشاف 1: 676.
(3) انظر: تفسير الطبري 14: 176.
(4) المحرر الوجيز 3: 18.