الصفحة 11 من 30

وعدمُ تعجيل العقوبة للظالمين في الدُّنيا لا يعني أنَّ الله تعالى غافلٌ عن ظلمهم، ومُهْمِلٌ لهم، حاشاه، بل هو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم، ليجزيهم جزاءهم في الحين الذي قد سبق في علمه أن يجزيهم فيه [1] ، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42] .

وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بالله من أن يَظْلِمَ أو يُظْلَم ويأمر أمته بذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهُمَّ انِّي أعوذُ بِكَ منَ الفَقْر والقِلَّة والذِّلَّة، وأعوذُ بكَ أنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَم» [2] ، وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعوَّذُوا بالله من الفقر والقِلَّة والذِّلَّة وأن تَظْلِمَ أو تُظْلَم» [3] .

2 ـ الوقوف مع الظَّالم المُعتدِي: فالأصل في الإنسان العاقل أن يقف مع المَظْلُوم المُعْتَدَى عليه، لا مع الظالم المعْتَدِي، فإن فعل ذلك فهو ظالم وشريك في الظُّلم والعُدوان، يُحِلُّ نفسَه في سخط الله وعذابه، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» [4] ، ولا ينبغي للقَرابة أو الصَّداقة أو المعرفة أن تكون سببًا للوقوف مع الظالم المُعتدِي، بل على الإنسان أن يقف مع المظلوم في وجه الظالم أيًّا كان، ويحجزه عن ظلمه، فعَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» [5] .

3 ـ العُدْوَان على الأنفس بالقتل: فالنُّفوس البشريَّة مصونة، وحفظُهَا مقصد من مقاصد التَّشريع الإسلامي، وكلُّ من يُزهِق نفسًا مصونة بغير حقٍّ فهو ظالم مُتَعدِّي، قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء:

(1) انظر: تفسير الطبري 17: 28، وتفسير ابن كثير 4: 515.

(2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص 236 برقم 678، وأحمد في المسند 2: 305 برقم 8039، وأبو داود برقم 1544، والنسائي برقم 5462، وابن حبان في صحيحه 3: 305 برقم 1030، والحاكم في المستدرك 1: 725 برقم 1983.

(3) أخرجه أحمد في المسند 2: 540 برقم 1098، والنسائي برقم 5461، وابن ماجه برقم 3842.

(4) أخرجه أبو داود في الأقضية برقم 3597، وابن ماجه في الأحكام واللفظ له، والحاكم في المستدرك 4: 111 برقم 7051 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(5) أخرجه البخاري في الإكراه برقم 6552، والترمذي في الفتن برقم 2255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت