وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى بعض عماله: «أما بعد: فإذا دعتك قدرتُك على النَّاس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله تعالى عليك، ونفادَ ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك» [1] .
7 ـ الخضوع للظَّلمة والطُّغاة: فليس الظُّلم من نصيب الفئة المستكبرة المُستبدَّة المستغلَّة التي لا تعرف ولا تشعر بشعور الضعفاء فحسب، إنَّما الظُّلم كما يصوِّرُه القرآن الكريم صفةٌ تشمل هذه الفئة، وتشمل الفئة المسبوقة التي رَضِيت أن تُسْحَق لِتُمْحق، كما يُفهم هذا من الآيات الآتية، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 31 - 33] فالظلم ليس صفة الفئة المُستبدَّة والمستغلة فحسب، بل الذين استضعفوا أيضًا، فكلمة {الظالمون} في الآيات السابقة تلمس الأقوياء والضعفاء معًا، والمتكبرين والمستضعفين [2] .
وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ العقوبة كما تشمل الظَّالم فإنَّها تشمل المظلوم الذي مَشَى في رِكاب الظَّالم وأعانه على ظُلمه وسكت عليه، فعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ تِسْعَةٌ فَقَالَ: «إِنَّهُ سَيكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، مَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ» [3] ، ولذلك كانت كلمة الحقِّ والعدل للحاكم الظالم الجائر من أعظم الجهاد عند الله، فعن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «أفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ» [4] .
(1) سير أعلام النبلاء 5: 131.
(2) انظر: محاضرة للدكتور فضل حسن عباس بعنوان: واقع الأمة ومستقبلها في ظلال سورة إبراهيم، في جمعية الدراسات الإسلامية بتاريخ 12 ـ 2 ـ 1996 م.
(3) أخرجه الترمذي في الفتن برقم 2259 وقال: حديث صحيح غريب، والنسائي في البيعة برقم 4207، والحاكم في المستدرك 1: 151 برقم 262 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(4) أخرجه أحمد في المسند 4: 315 برقم 18850، وأبو داود في الملاحم برقم 4344، والترمذي برقم 2174، والنسائي برقم 4209، وابن ماجه برقم 4011، وإسناده صحيح.