وظُلمه، فالكُفَّار خانوا أصل الأمانة، وهي الإيمان فكفروا، ومن دونهم خانوا بارتكاب المناهي أو ترك الطَّاعة [1] .
ومن صور خيانة الأمانة التي هي من أشدِّ الظُّلم: كِتمانُ شهادة الحقِّ، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140] أي: وأيُّ امرئ أظلم منهم (اليهود والنصارى) ؟ وقد كتموا شهادةً عندهم مِنَ الله، بأنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكتموا ذلك، ونحلُوهم اليهوديةَ والنصرانية [2] .
وقد أمرَ الله تعالى المؤمنين بأداء الشهادة على وجهها إن دُعُوا إليها، ونهاهم عن كتمانها وإخفائها، وبيَّن لهم خطرَ هذا الكتمان، فقال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] يعني: فاجر قلبه [3] .
6 ـ تعطيل شرع الله تعالى وإهمالُه أو التَّعدِّي عليه: قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ، وقد نقل القرطبي عن ابن مسعود والحسن البصري أنَّها عامَّة في كلِّ من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، فإن فعل ذلك مُسْتَحِلًّا له فهو كافر؛ أمَّا من فعله وهو مُعْتَقِدٌ ارتكاب المُحرَّم فهو من فُسَّاق المسلمين، وأمرُه إلى الله تعالى، إن شاء عَذَّبه، وإن شاء غفر له [4] .
ولا يخفى خطرُ تعطيل شرع الله وتنحيته عن الحياة عمومًا، فهو أساس كلِّ المصائب والطَّامات التي أصابت عالمنا الإسلامي.
وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] أي: من يتجاوز حدود الله التي حدَّها لخلقه فقد ظلم نفسه، أي: أكسب نفسه وزرًا، فصار بذلك لها ظالمًا، وعليها متعدّيًا [5] .
ومن صور التَّعدي على حدود الله تعالى: الزِّيادة على ما شرعه الله تعالى لنا أو شرعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ عَن الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» [6] .
7 ـ صَدُّ المؤمنين عن سبيل الله ومحاولة تغيير شرع الله: قال تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 44 -
(1) انظر: البحر المديد 6: 92 ـ 93.
(2) تفسير الطبري 3: 124.
(3) تفسير ابن كثير 1: 728.
(4) انظر: الجامع لأحكام القرآن 6: 190.
(5) انظر: تفسير الطبري 23: 441.
(6) أخرجه أبو دواد في الطهارة برقم 135، والنسائي في الطهارة برقم 140، وابن ماجه في الطهارة وسننها برقم 422.