بطونهم، ولا أن ننقب عن قلوبهم، فأجاب النبي - عليه الصلاة والسلام - بذلك خالدًا حين قال له: (وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه) ، فكانت إجابة النبي على هذه العبارة بذاتها، ولم يرد بذلك إبانة أن هذا الرجل المعترض على حكمه لم يكفر بذلك، كما ظنه الردود عليه، وإنما لأجل أنه لا يجوز التوقف بالحكم على إسلام من رأيناه يعلن إسلامه بصلاةٍ وصيامٍ وغير ذلك فضلًا عن أن نكفره كما يفعل ذلك غلاة فِرق التكفير في هذا الزمان، فهؤلاء أهل ضلالة، والحديث يردُّ عليهم وعلى أمثالهم من الغلاة، وهكذا تتفق الأدلة ولا تفترق، وتأتلف ولا تختلف، وتَسْتَحكمُ ولا تشتبه، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، نسأل الله التوفيق والهداية، وبهذا المطاف نكون قد أجبنا عن الشُّبْهتين، الأولى والثانية، وتبقى في ذمتنا الثالثة وهاك جوابها:
فإنه يقال: في هذا تلبيس على القارىء من وجهين:
الأول: أن فعل أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- داخل في مسألة التحاكم، وهو خطأ، إذ ليس هذا من جنس التحاكم الذي نتكلم فيه، وإنما هو في مسألة العدل بين الضّرائر، وهذا باب آخر، والكلام فيه غير الكلام في مسألة التحاكم كما سيأتيك.
والثاني: أن كلامه هذا، يفيد القارىء أن أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- حين جئن يناشدن النبي -عليه الصلاة والسلام- العدل في بنت أبي قحافة -رضي الله عنها وعن أبيها- أن هذا أفاد أنهن -رضي الله عنهم- يَطْعَنَّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمانته وحكمه! وأنه ظالم!!، وهذه إساءة ظن بنساء النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذا المتهوِّر الأفّاك؛ فإن هذا دليل -عند المردود عليه- أن نساء النبي -عليه الصلاة والسلام- اعترضن على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكفرن مع ذلك!، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم قال بمثل ما يقوله هذا المفتري، فإن هذا ليس من جنس التحاكم - أصلًا-، وإنما من الغيرة التي جبُلت عليها نفوس النساء، وهذا كما ثبت في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- حين قال لها النبي -عليه الصلاة والسلام-:"إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى"، قالت، فقلت: مِن أين تعرف ذلك، فقال: أما إذا كنتِ عني راضية فإنك تقولين: (لا، ورب محمد! وإذا كنت غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم .. الحديث خرجاه في الصحيحين، وذكره البخاري -رحمه الله- في كتاب"النكاح"، وبوّب عليه بقوله: باب غيرة النساء ووجدهن) ، وهذا من فقهه -رحمه الله-، وهذا -أيضًا- من جنس ما ثبت في"الصحيح"عندما جاء غلام من إحدى بيوت النبي -صلى الله عليه وسلم- بصحفة فيها طعام لرسول الله، وكان في إحدى بيوت أزواجه، فضربت التي هو في بيتها الصحفة فانكسرت، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: غارت أمُّكم ...