(إنك لو تأملت أثر ابن مسعود ولو قليلًا لعلمت أنه لا يدل على ما تريد، ولا ممسك لك به، وذلك لوجهين:
1 -أن الأخذ بظاهره على ما تظن يقتضي الكفر الأكبر لمن أخذ الرشوة ليحكم بغير ما أنزل الله في مسألة واحدة ... وقطعًا غير مراد للإجماعات التي سبق نقلها عن ابن عبد البر وغيره ...
2 -أن ابن مسعود لم يبين أي الكفر المراد: الأكبر أو الأصغر. أما أثر ابن عباس فصريح في إرادة الأصغر دون الأكبر فلا يصح جعل الخلاف بين الصحابة بما هو مظنون، فإن الأصل عدم خلافهم لقلته بينهم) ا. هـ.
الرد:
وأقول:
يُشير إلى ما أخرجه الطبري في تفسيره عن علقمة ومسروق أنهما سألا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن الرشوة فقال: من السُّحت. قال: فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .
قلت: وهذا مذهب جماعة من السلف مثل السُّدي وغيره من المفسرين، وقد قال السُّدي مانصه:- (يقول ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا أو حاد وهو يعلم فهو من الكافرين) ا. هـ من تفسير ابن كثير (2/ 63)
قلت: فهذا يدل على أن هذا مذهب لبعض السلف، يؤيِّد هذا أمور منها:
الأول: أن الأصل إجراء النصوص على ظواهرها إلا لصارف يصرف هذا الظاهر.
الثاني: أن من أصول أهل السنة أن مسائل التكفير متعلقة بأصل النص فالكفر يكون بحسب ذلك مثل أن يكون بالفعل أو القول، وهنا من الفعل، فهذا جار على أصول أهل السنة.
الثالث: أن الآية أطلقت الكفر والأصل في ذلك أن يحمل على الحقيقة الشرعية التي وضع لها، وهو الكفر المخرج من الملة كما أبنّا هذا سابقًا.