فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 132

وأقول: في كلامه هذا ثلاثة أمور:

الأول: حعله ترك الفرائض بمنزلة ركوب المحارم.

الثاني: حصره لذلك بالاستحلال وهذا يشمل ترك الفرائض عنده- أيضًا-.

الثالث: أن المصر على الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز تكفيره حتى يستحل.

فأما الجواب عن الأمر الأول هو أن يقال:

هذا من الأدلة الظاهرة على أن الرجل مرجىء في هذا الباب، وأن كلامه فيه غريب عن أقاويل علماء السنة، ذلك أن المرجئة - أيضا- يحصرون الكفر في هذا الباب بالاستحلال، ولا يفرّقون بين ترك الفرائض، وارتكاب المحارم، وهذا مما افترق عنهم به أهل السنة، حيث لم يجعلوا ترك الفرائض من جنس ترك المحرمات، فترك الفرائض كفر، بخلاف اقتراف الكبائر فهي فسقٌ عندهم حتى يستحلها صاحبُها.

قال سفيان بن عيينة -رحمه الله- كما في (السنة) لعبد الله بن أحمد، قال:

(والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليسوا سواء، لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر ... ) ا. هـ

قلت: وكلام السلف في هذا كثير جدًا، لكن سفيان بن عيينة -رحمه الله- صرّح تصريحًا ظاهرًا في أن هذا كلام المرجئة، وهذا قد لا يوجد لغيره من السلف، وإن كانوا يذهبون إلى مقالته، وتحرير هذا، هو أن السلف وعلماء السنة ممّن جاء بعدهم أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل، وحكوا أن الإيمان مركب من أربعة أشياء؛ قول اللسان، وقول القلب وهو تصديقه، وعمل القلب وهو المحبة والإخلاص، وعمل الجوارح، والإيمان لا يستقيم إلا بقول وعمل، فهذا أصله، فلا بد أن يكون جنس هذا في المرء حتى يكون مسلمًا، فتصديق القلب، يدلُّ عليه قول اللسان، وعمل القلب، يدل عليه عمل الجوارح، وتصديق القلب واعتقاده لا يكفي في الإيمان، حتى ينضاف له العمل، وإلا فإن فرعون ومن شاكله من صناديد الكفر، كانوا مصدِّقين في الباطن، لكن ذلك غير نافع لهم كما هو معلوم من حالهم، وقد حكى القرآن كثيرًا من هذا، كقوله تعالى عن آل فرعون: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظلمًا وعلوًا) ، وكقوله عن كفار قريش: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) ، وكقوله عن أهل الكتاب: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) وغير ذلك، ومع هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت