وقال ابن الحجاج - رحمه الله تعالي - في كتابه (( المدخل ) ) (1/ 185) : (( وانظر - رحمك الله وإيانا - إلي معاوية الذي تلقي الحديث من صاحب الشريعة - صلوات الله وسلامه عليه - كيف نهي عن ذلك علي العموم، وذلك الذي فهم، فكان ينبغي أتباعه في فهمه وفقهه ) ). ا هـ.
فإن قال قائل: إن قوله r: (( من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار ) ).
يدل علي أن الإنسان إذا أحب أن يقوم له الناس، وقع في الوعيد. أما إذا لم يحب فلا شيء عليه. وكذا لا حرج علي القائم له، لأن الحديث ليس فيه ذكر له ولا وعيد عليه.
والجواب عن هذه الشبهة يحصل بالمقدمات التالية:
أولًا: أن معرفة من يحب قيام الناس له، ممن لا يحب ذلك، أمر يستحيل علي المكلف معرفته.
ثانيًا: أن التعاون علي البر والتقوى، وعدم التعاون علي الإثم والعدوان واجب شرعي، ويبني عليه من الأحكام ما لا يحصى.
إذا تبين هذا فإن ترك القيام واجب، سدا للذريعة، لأنك لا تعلم هل يحب من قمت له، قيامك، أم يكرهه. وإذا كنت لا تعلم فترجيح المحظور أحوط، وهو أنه يحب القيام، لما جبلت عليه النفوس من محبة التعظيم، وهذا أحد صوره فيحرم القيام تعاونًا علي البر والتقوى.
ويجلي هذا ويوضحه ما رواه الإمام أحمد في المسند (3/ 132) والترمذي، عن أنس بن مالك - t - قال:
(( ما كان أحد أحب إليهم من رسول الله r وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك ) ).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ا هـ.
فانظر غلي هذا الهدي النبوي العظيم وتأمله، يتبين لك ما كان عليه النبي r من سد أبواب الذرائع المفضية إلي المعاصي وغيرها.
فها هو r يربي أصحابه علي ترك القيام له، حتى أصبحوا لا يقومون له، وهو أحب الناس إلي نفوسهم.