المذهب الثالث: عدم جواز الترجيح في القطعي مِن العقليات.
وهو اختيار إمام الحرمين والفخر الرازي وتاج الدين الأرموي والصفي الهندي رحمهم الله تعالى (1) .
وفي ذلك يقول إمام الحرمين رحمه الله تعالى:"أطلق الأئمة القول بأنّ المعقولات لا ترجيح فيها، وهذا سديد لا ننكره، ولكنّا أوضحنا في الديانات أنّ العوامّ لا يكلَّفون بلوغَ الغايات ودَرْكَ حقائق العلوم في المعتقدات، وإنما يكلَّفون تحصيل عقد متعلق بالمعتقد على ما هو به ... ، وإذا كان كذلك فالترجيحات عندهم في قواعد العقائد قد تجرى؛ فإنّ عقودهم ليست علومًا، ومأخذها كمأخذ الظنون في حقّ مَن يعلم أنّه ظانّ" (2) ا. هـ.
ويقول الصفي الهندي رحمه الله تعالى:"المشهور أنّ العقليات ... لا يتطرق الترجيح إليها، وهو غَيْر جارٍ على إطلاقه؛ فإنّه يجري في الظني والتقليدي إنّ جُوِّز ذلك فيه ... ، نعم القطعي منها لا يقبل، لكنه غَيْر مختصّ بها" (3) ا. هـ.
ويقول الأرموي رحمه الله تعالى:"لا ترجيح في العقليات، وفيه تفصيل؛ لأنّه إنْ أريد بالعقليات (اليقينيات) فكذلك، وإن أريد به ما يعمّ التقليد فليس كذلك" (4) ا. هـ.
والراجح عندي: ما عليه أصحاب المذهب الثالث؛ لأنّه جمع بَيْن المذْهبيْن المتقدميْن؛ لأنّ الأول نفى الترجيح فيها مطلقًا، والثاني جوَّزه مطلقًا، أمّا الثالث فكان وسطًا بَيْنَهُمَا حينما نفاه في القطعيات وجوَّزه في غَيْرها، ولأنّ العامة مكلَّفون بالاعتقاد لا بالعلم.
(1) يُرَاجَع: البرهان 2/ 1144 والمحصول 5/ 534 والحاصل 2/ 969 والفائق 4/ 393
(2) البرهان 2/ 1144 بتصرف.
(3) الفائق 4/ 393 بتصرف.
(4) الحاصل 2/ 969