المطلب الثاني
الترجيح العائد إلى كيفية الرواية
لقد تعددت وجوه الترجيح العائد إلى كيفية الرواية عند الأصوليين ..
وقد حصرتُ ما وقفتُ عليه منها فيما يلي:
الوجه الأول: ترجيح المتفق على رفعه.
إذا تعارض خبران وكان أحدهما متفَقًا على رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخَر مختلف فيه رجّحْنا رواية الأول؛ لأنّه أغلب على الظن (1) .
مثاله: ما رواه عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه - (2) أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ... {لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب} (3) ؛ فإنّه معارَض بما رواه جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال {كُلُّ صَلاَةٍ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الإِمَام} (4) ..
وَجْه التعارض: أنّ الخبر الأول أوجب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، والخبر الثاني لَمْ يوجبها وراء الإمام، فالحُكْم فيهما متعارض؛
(1) يُرَاجَع: المحصول 2/ 457 والإحكام لِلآمدي 4/ 257 وتيسير التحرير 3/ 166 وشرح المنهاج 2/ 801 ومسلّم الثبوت 2/ 208
(2) عبادة بن الصامت: هو الصحابي الجليل أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي - رضي الله عنه -، شَهِد العَقَبة الأُولى والثانية، وكان أحد النقباء، وشَهِد المَشاهد كُلّها، وهو أول مَن تَوَلَّى قضاء فلسطين ..
تُوُفِّي - رضي الله عنه - بالرملة سَنَة 34 هـ.
أسد الغابة 3/ 160 والإصابة 4/ 37
(3) أَخْرَجَه مسلِم في كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة في كُلّ ركعة برقم (595) والترمذي في كتاب الصلاة: باب ما جاء أنَّه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب برقم (230) والنسائي في كتاب الافتتاح: باب إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة برقم (901) .
(4) أَخْرَجَه الدارقطني في سُنَنِه .. يُرَاجَع نصب الراية 2/ 18