المرحلة الثانية: العمل بالناسخ وترك المنسوخ.
إذا لَمْ يمكن الجمع بَيْن الدليليْن المتعارضيْن بحثنا عن أسبقية أحدهما وتقدُّمه: فإنْ علمنا ذلك كان المتقدِّم منسوخًا وتُرِك العمل به ... والمتأخر ناسخًا، وهو الذي عليه المعوَّل.
مثاله: ما رواه خالد بن الوليد (2) - رضي الله عنه - أنّه سمع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول {لاَ يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِير} (3) مع ما رواه جابر بن عبد الله (4) - رضي الله عنهما - قال:"أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُر" (5) ..
(1) يُرَاجَع هذه الأوجُه وأمثلتها تفصيلًا في أدلة التشريع المتعارضة /163 - 182
(2) خالد بن الوليد: هو الصحابي الجليل سيف الله أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي - رضي الله عنه -، أحد أشراف قريش في الجاهلية، أسلم سَنَة سبع بَعْد فتح خيبر، شهد فتح مكة، وحمل الرايةلارلق 54 يوم مؤتة، وصفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنّه سيف مِن سيوف الله، حارب المرتدّين وهزمهم في اليمامة، وقاد المسلمين في اليرموك وغَيْرها ..
تُوُفِّي - رضي الله عنه - بحمص - وقيل: بالمدينة المنورة - سَنَة 21 هـ.
سير أعلام النبلاء 1/ 366 والإصابة 1/ 413
(3) أَخْرَجَه النسائي في كتاب الصيد والذبائح: باب تحريم أكل لحوم الخيل برقم (4257) وأبو داود في كتاب الأطعمة: باب في أكل لحوم الخيل برقم (3296) وابن ماجة في كتاب الذبائح: باب لحوم البغال برقم (3189) .
(4) جابر بن عبد الله: هو الصّحابيّ الجليل أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ... ابن كعب الأنصاري السلمي رضي الله عَنْهُمَا، شَهِد بيعة العَقَبَة الثانية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير وشَهِد مع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة غزوة ..
تُوُفِّي - رضي الله عنه - سَنَة 74 هـ، وقيل: سَنَة 78 هـ.
أسد الغابة 1/ 351 والإصابة 1/ 434، 435 وشذرات الذهب 1/ 44
(5) أَخْرَجَه الترمذي في كتاب الأطعمة عن رسول الله: باب ما جاء في أكل لحوم الخيل برقم ... (1715) والنسائي في كتاب الصيد والذبائح: باب الإذن في أكل لحوم الخيل برقم (4254) .
وَجْه التعارض: أنّ الدليل الأول أفاد حرمة أكل لحوم الخيل، والدليل الثاني أفاد حِلّ أكل لحوم الخيل، فالحُكْمان متعارضان ولا يمكن الجمع بَيْنَهُمَا، وقد ثبت تقدُّم الدليل الأول وتأخُّر الدليل الثاني، فلِذَا كان الأول