وأرى ردّ هذه المناقشة مِن وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّنا إنْ حملنا التغليظ على التدرج في التشريع كان هو المتأخر كما ذهبتم، وإنْ حملناه على غير المتدرج في التشريع فليس هو المتأخر؛ لأنّ تحريم الكبائر بدرجاتها ثقيل على النفس، ومع ذلك كان متقدمًا تشريعها وليس متأخرًا.
الوجه الثاني: أنّا لا نسلِّم أنّ التغليظ ما كان إلا عند علوّ شأنه - صلى الله عليه وسلم -، ... ولا علاقة بَيْن تغليظ الأحكام وعلوّ شأنه - صلى الله عليه وسلم - إلا وفق قاعدة التدرج في التشريع.
الوجه الثالث: أنّ الأَوْلى تبديل هذه العبارة -"إلا عند علوّ شأنه - صلى الله عليه وسلم -"- إلا عند ظهور أمر الدعوة وتمكّنها، أمّا شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - - كما قدَّمْنَا قَبْل ذلك - فهو مرفوع وعالٍ قَبْل الدعوة وبَعْدها، وإنما ازداد علوًّا ورفعةً بَعْد
(1) يُرَاجَع: بيان المختصر 3/ 393، 394 وشرح الكوكب المنير 4/ 692
(2) يُرَاجَع: شرح المنهاج 2/ 802 ونهاية السول 3/ 173 ومناهج العقول 3/ 172
(3) يُرَاجَع المحصول 2/ 461
تكليفه - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة.
المذهب الثاني: ترجيح الأثقل.
وهو اختيار الآمدي وابن السبكي رحمهم الله تعالى، وظاهر كلام الفخر الرازي رحمه الله تعالى (1) .
وقد نسب أستاذنا فضيلة الشيخ محمد أبو النور زهير (2) - رحمه الله تعالى - هذا المذهب إلى ابن الحاجب رحمه الله تعالى (3) ، وهذه النسبة قد يكون مرجعها وأصلها قول ابن السبكي رحمهما الله تعالى:"وقد صرَّح الآمدي بما ذكرناه، وقال احتمال تأخر التشديد ابن الحاجب" (4) ا. هـ.