وهو اختيار البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي والفتوحي والشوكاني رحمهم الله تعالى، ونسبه ابن السبكي إلى تاج الدين الأرموي رحمهم الله تعالى (1) .
واحتجّوا لِذلك بأدلة، أذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} (2) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ الله تعالى يريد اليسر بعباده ولا يريد بهم العسر، والأخذ بالحُكْم الأثقل فيه عسر، واليسر في الأخذ بحُكْم الأخفّ، ... ولذا وجب ترجيح الخبر الذي يفيد حُكْمًا أخفّ على ما يفيد حُكْمًا أثقل.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - {لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَار} (3) ..
(1) يُرَاجَع: المنهاج مع شرحه 2/ 802 ونهاية السول 3/ 173 ومناهج العقول 3/ 172 ... ومختصر المنتهى مع شرح العضد 2/ 315، 316 والإبهاج 3/ 228 وبيان المختصر 3/ 393 والفائق 4/ 449 وشرح الكوكب المنير 4/ 692 وإرشاد الفحول /279
(2) سورة البقرة مِن الآية 185
(3) أَخْرَجَه ابن ماجة في كتاب الأحكام: باب مَن بنى في حقّه ما يضرّ بجاره برقم (2332) وأحمد في مسند بني هاشم برقم (2719) كلاهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن ماجة في كتاب الأحكام: باب مَن بنى في حقّه ما يضرّ بجاره برقم (2331) عن عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه -.
وَجْه الدّلالة: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى وقوع الضرر في الشريعة، والأخذ بالحُكْم الأثقل يحقق الضرر المنفيّ وقوعه، وحيث إنّ نفي وقوع الضرر لا يتحقق إلا بالأخذ بالحُكْم الأخفّ كان هو الأَوْلى بالترجيح والتقديم (1) .
الدليل الثالث: أنّ الخبر المتضمن لِلتخفيف أظهر تأخرًا مِن حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن الخبر المتضمن لِلتغليظ، ولذا كان أَوْلى بالترجيح والتقديم (2) .
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّا لا نسلِّم أنّ التخفيف كان أظهر تأخرًا؛ لأنّ التغليظ ما كان إلا عند علوّ شأنه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك متأخر، ولذا كان التغليظ هو المتأخر وليس التخفيف (3) .
الجواب عن هذه المناقشة: