وهذا الدليل مناقَش بما نوقش به الدليل الأول.
المذهب الرابع: عدم ترجيح واحد منهما، ويتساقطان.
هذا المذهب نسبه القاضي أبو يعلى إلى عيسى بن أبان - رحمهما الله تعالى - في قوله:"وذهب عيسى بن أبان إلى أنّه لا يرجح بمثل هذا، ويتعارضان ويسقطان ويصيران كأنّهما لم يَرِدَا، ويرجع في حُكْم الحادثة إلى غير هذا الخبر" (2) ا. هـ.
وفي هذه النسبة نظر؛ لأنّ الزركشي - رحمه الله تعالى - نسب إليه ترجيح الحظر (3) .
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنّ تحريم المباح كإباحة المحظور، فلم يكن لأحدهما مزيّة على الآخَر، وإذا تساوى الدليلان المتعارضان تساقطا وطلبنا دليلًا آخَر غيرهما.
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّا لا نسلِّم تساوي الحظر والإباحة؛ وإنما الحظر راجح؛ لِمَا ورد مِن أدلة في ذلك، وأخذًا بالاحتياط.
الدليل الثاني: أنّ الشيء الواحد يستحيل أنْ يكون محظورًا على الواحد في وقت مباحًا له في ذلك الوقت، كما يستحيل أنْ يكون الواحد بمكة وبغداد في يوم واحد، وقد ثبت أنّ أربعةً لو شهدوا على رجل أنّه رُئِي
(1) يُرَاجَع إحكام الفصول /756
(2) العدة 3/ 1042
(3) يُرَاجَع البحر المحيط 6/ 171
يوم النحر بمكة وشهد أربعة آخَرون أنّه رُئِي في ذلك اليوم ببغداد ... فإنّ شهادة الجميع تسقط، فكذلك الخبران المتعارضان بالحظر والإباحة لا ترجيح لِواحد منهما، بل يسقطان.
مناقشة هذا الدليل: