أَوْلى مما يوجِبه، فدلّ ذلك على ترجيح الإباحة على الأمر (1) .
والأَوْلى عندي: ما عليه أصحاب المذهب الأول القائلون بترجيح الأمر على الإباحة؛ لأنّ فعل المأمور به أحوط وتبرئة لِلذمة، وليس كذلك في الفعل المباح؛ لأنّ فيه جواز الترك وعدم إتيان الفعل.
الوجه الثالث: ترجيح النهي (الحظر) على الإباحة.
إذا تعارض خبران أحدهما فيه نهي والآخَر فيه إباحة: فهل يرجح النهي على الإباحة أم لا؟
خلاف لِلأصوليين في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: ترجيح النهي (الحظر) على الإباحة.
وهو ما عليه أكثر الأصوليين، واختاره الشيرازي وابن عقيل وأبو يعلى وابن السمعاني وابن قدامة وابن الحاجب والبيضاوي والكراماستي والزركشي وابن السبكي والشوكاني رحمهم الله تعالى (2) .
واحتجّوا لِذلك بأدلة، أذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - {مَا اجْتَمَعَ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ إِلاَّ وَغَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلاَل} (3) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن لنا أنّ الحرام إذا اجتمع مع الحلال كانت الغلبة لِلحرام، الأمر الذي يعني ترجيح الحرام وتقديم تركه على الفعل المباح.
(1) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 4/ 259، 260 والفائق 4/ 427، 428 وشرح الكوكب ... المنير 4/ 659، 660
(2) يُرَاجَع: اللمع /48 والواضح 5/ 92 والعدة 3/ 1041 وقواطع الأدلة 3/ 39 وروضة الناظر /416 والمختصر مع شرح العضد 2/ 312 والمنهاج مع شرحه 2/ 806، 807 ... والوجيز /202 والبحر المحيط 6/ 170 وجمع الجوامع مع حاشية البناني 2/ 369 وإرشاد الفحول /279
(3) أَخْرَجَه البيهقي في سُنَنه الكبرى 10/ 114 وعبد الرزاق في مصنفه (يُرَاجَع نصب الراية لِلزيلعي 4/ 314) موقوفًا على عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - {دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُك} (1) ..