الصفحة 26 من 95

وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن، فهو ورع الموسوسين [1] .

وقال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام كما نقله الزركشي عنه:"والفرق بين الورع والوسواس دقيق عسر، فالمتساهل يجعل بعض الورع وسواسًا، والمتشدد يجعل بعض الوسواس ورعًا، والصراط المستقيم دَحْض مَزَلّة [2] ، ومما ينبغي أن يفرق بينهما أن كل ما رجع إلى الأصول الشرعية، فليس بوسواس" [3] .

ومثّل ابن حجر العسقلاني لورع الموسوسين بما يلي"كمن يمتنع من أكل الصيد؛ خشية أن يكون الصيد كان لإنسان، ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حرام، وليست هناك علامة تدل على الثاني، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه، وعدم الاحتجاج به، ويكون دليل إباحته قويًا وتأويله ممتنع أو مستبعد" [4] .

يتحصل مما سبق أن الوسوسة لا تستند إلى دليل مقبول في العقل والشرع، بينما الورع يستند إلى دليل مقبول، والوسوسة مذمومة شرعًا، بينما الورع محمود [5] .

رابعًا: الفرق بين الوسوسة والشك

الشك لغة: خلاف اليقين [6] .

الشك في اصطلاح الفقهاء: هو"التردد بين وجوه الأمر الواحد سواء استوت الاحتمالات، أم ترجح أحدها" [7] .

قال ابن حجر الهيتمي في الفرق بين الوسوسة والشك:"وفرق بين الوسوسة والشك بأنه يكون بعلامة، كترك ثياب من عادته مباشرة النجاسة، وترك الصلاة خلف من عادته التساهل في إزالتها؛ لأن الأصل وهو الطهارة قد عارضه غلبة النجاسة، والاحتياط هنا مطلوب، بخلاف الوسوسة فإنها الحكم بالنجاسة من غير علامة؛ بأن لم يعارض الأصل شيء، كإرادة غسل ثوب جديد، أو اشتراه احتياطًا، وذلك من البدع كما صرح به النووي في شرح المهذب [8] ، فالاحتياط حينئذ ترك هذا الاحتياط، وبأن الموسوس يقدر ما لم يكن كائنًا، ثم يحكم بحصوله كأن يتوهم وقوع نجاسة بثوبه، ثم يحكم بوجودها من غير دليل ظاهر، وهذا معنى قول أبي الفتوح العجلي: الوسوسة تقدير ما لم يكن أن لو كان كيف يكون، ثم يحكم بكونه كائنًا حتى يكون الواجب غسله عنده" [9] .

وجاء في إعانة الطالبين"وبه يعلم الفرق بين الوسوسة والشك، فهو أن يعدم اليقين، وهي أن يستمر اليقين، ولكنه يصوّر في نفسه تقدير التردد، ولو كان كيف يكون الأمر" [10] .

يتحصل مما سبق أن الشاك إما أن يستوي عنده الاحتمالان، وإما أن يترجح عنده أحدهما، بينما الموسوس يكون على اليقين، لكن يتصور في نفسه تقدير التردد من غير دليل على ذلك.

خامسًا: الفرق بين الوسوسة والتشدد

الشِّدَّة لغة: الصلابة، وهي نقيض اللين، والتشديد: خلاف التخفيف [11] .

والتشدد اصطلاحًا: الغلو والتنطع في الدين.

والفرق بين التشدد والوسوسة أن التشدد نابع من ذات الفرد، وبإرادته، وتقربًا منه إلى الله تعالى بذلك، بل إن المتشدد قد يستنقص غيره ممن لا يفعل فعله، وأما المصاب بالوسوسة أي مرض الوسواس القهري الديني، فهو يشكو لكل أحد من وسواسه، ويتألم منه، ويستفتي العلماء في حاله، ويتردد على الأطباء، ويدعو الله كي يخلصه من وساوسه، ويقاومها، فيفرح إذا تغلب عليها، ويحزن أشد الحزن إذا غلبته [12] .

(1) انظر: إحياء علوم الدين، 2/ 94 - 99.

(2) قال النووي:"الدحض والمزلة بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر". شرح صحيح مسلم، 2/ 3

(3) المنثور، 2/ 230.

(4) فتح الباري، 4/ 419 - 420.

(5) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، 43/ 147، وموقع: مجانين بحث بعنوان (منهج الفقهاء في التعامل مع الوسواس القهري وقاية وعلاجًا) للأستاذة رفيف الصباغ.

(6) انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (شكك) ، وابن فارس، مقاييس اللغة، مادة (شكّ) .

(7) قلعة جي، الموسوعة الفقهية، 2/ 1170، وعبد المنعم، معجم المصطلحات، 2/ 343.

(8) انظر: المجموع، 1/ 207.

(9) الفتاوى الكبرى الفقهية، 1/ 220.

(10) شطا الدمياطي، 1/ 247.

(11) انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (شدد) .

(12) انظر موقع: www.ma3nnet/archive/index.php/t-3350.html http://

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت