المحمود، وإن كان مما دل على أنه فجور، فهو من الوسواس المذموم، وهذا الفرق مطرد لا ينتقض" [1] ."
أي أن الإلهام هو الداعي إلى تقوى الله عز وجل، وإلى ما ينفع في الدار الآخرة، وهو محمود، وأما الوسوسة، فهي الداعية إلى الفجور، وإلى ما يضر في الدار الآخرة، وهي مذمومة.
كما أن العمل الناتج عن الوسواس يدفع الشخص دفعًا إلى الخطأ والشر بلا حكمة ولا رَويّة ولا تفكير ولا استشارة ولا استخارة، والعكس صحيح بالنسبة للإلهام الرباني الذي يذكِّر بعواقب الأمور وبالآخرة، واستحضار رضا الله تعالى عند القيام بتنفيذ الإلهام الرباني ... . [2]
ثانيًا: الفرق بين الوسوسة والاحتياط
الحوط لغة: الحفظ، والاحتياط: هو طلب الأحوط الأحظ، والأخذ بأوثق الوجوه [3] .
الاحتياط اصطلاحًا: قال الجرجاني:"الاحتياط حفظ النفس عن الوقوع في المآثم" [4] .
وقال المناوي:"فعل ما يتمكن به من إزالة الشك" [5] .
والصلة بين الوسوسة والاحتياط التباين؛ لأن الاحتياط مبناه على الثقة، والوسوسة ناشئة عن التردد [6] .
هذا وقد عدّ ابن القيم الوسوسة ابتداع ما لم تأت به السنة، بخلاف الاحتياط؛ الذي هو الاستقصاء في اتباع السنة، فقال:"الاحتياط الاستقصاء، والمبالغة في اتباع السنة، وما كان عليه رسول الله"
-صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه من غير غلو ومجاوزة، ولا تقصير ولا تفريط" [7] ، وأما الوسوسة"فهي ابتداع ما لم تأت به السنة، ولم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أحد من الصحابة زاعمًا أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه، كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة، فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله" [8] ."
ثالثًا: الفرق بين الوسوسة والورع
الورع لغة: التحرّج [9] .
الورع اصطلاحًا:"اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات" [10] .
قسّم الغزالي الورع إلى أقسام، ذكر منها: ورع الصديقين؛ وهو ترك ما لم تكن فيه بينة واضحة على حلّه، وورع المتقين؛ وهو ترك ما لا شبهة فيه، ولكن يخشى أن يجرّ إلى الحرام، وورع الصالحين؛
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية، 17/ 529.
(2) انظر موقع: مجانين مقال بعنوان (تاريخ اضطراب الوسواس القهري) .
(3) انظر: الفيومي، المصباح المنير، مادة (حوط) ، وابن منظور، لسان العرب، مادة (حوط) .
(4) التعريفات، ص 12.
(5) التوقيف على مهمات التعاريف، ص 40.
(6) الموسوعة الفقهية الكويتية، 43/ 147.
(7) الروح، ص 256.
(8) الروح، ص 256.
(9) انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (ورع) ، والرازي، مختار الصحاح، مادة (ورع) .
(10) الجرجاني، التعريفات، ص 252.