و ثانيا إن الانتصار للإسلام من خصومه و مُحرفيه ليس مقتصرا على المعتزلة و لا على أي طائفة من الطوائف. فتستطيع أي فرقة من أهل القبلة أن تدعي ذلك لنفسها انطلاقا من مذهبها الذي تبنته و دعت إليه. فالإسماعيلية مثلا عندما كونوا دولتهم في المغرب ثم في مصر و الشام يُمكنهم أن يقولوا عن أنفسهم و أعمالهم: إنهم نصروا الإسلام و المسلمين، و حاربوا الضالين و المنحرفين.
علما بأن ردود المعتزلة في الأصل هي امتداد للردود التي كانت بين الفرق الإسلامية، فهي ليس جديدة من جهة، و هي موجهة أولا للرد على مخالفيهم من المسلمين من جهة ثانية.
و يشهد التاريخ على أن أهل السنة هم أول من انتصر للإسلام عندما تصدوا للفرق المنحرفة عن الإسلام، كالسبئية، و اشيعة، و المعتزلة، و الخوارج، و الجهمية. فهؤلاء كانوا خطرا داهما على الإسلام و المسلمين أكثر مما كان يُشكله أهل الذمة من خطر على الإسلام و المسلمين في ذلك الزمان. و قد طهرت ردودهم مُبكرا، منذ القرن الأول الهجري، و ما بعده. و قد كانت لهم مصنفات معروفة ردوا بها على الجهمية و المعتزلة، منها الرد على الزنادقة لأحمد بن حنبل، و الحيدة لعبد العزيز الكناني، و الرد على الجهمية للبخاري، و النقض على بشر المريسي، و الرد على الجهمية، وهما لأبي عثمان الدارمي، و كتاب التوحيد لابن خزيمة، و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، و كل هذه الكتب منشورة و متداولة بين أهل العلم. فهل من يستطيع أن يُؤلف هذه الكتب و يرد بها على المعتزلة و أمثالهم هو عاجز عن الرد على أهل الذمة و غيرهم؟؟!!. كلا و ألف كلا، فقد كانوا قادرين على الرد على أية فرقة إن هم أرادوا الرد عليها. و ليس هذا خاصا بالمعتزلة، و لا مقتصرا عليهم.
و من ردود السنيين المُبكرة التي تعود إلى القرن الثاني الهجري مناظرة الإمام أبي حنيفة النعمان (ت 150 هـ) لبعض الزنادقة و الدهريين، فسألوه (( عن وجود الباري تعالى فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أُخبرت عنه، ذكروا لي سفينة في البحر موقرة، فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل!، فقال