فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 218

عَذَابًا عَظِيمًا النساء 93 - . و الثاني يتعلق بالكفار من المنافقين و أهل الكتاب و المشركين و غيرهم. و هذا الخلود دائم أبدي يختلف عن خلود عصاة المسلمين، لأن الله تعالى نص على أنه خلود أبدي، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا) سورةالنساء: 168 - 169 - ، و إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} - الأحزاب: 64 - 65.

و في مقابل خلود هؤلاء الأبدي في النار، نص الله تعالى على وجود خلود أبدي آخر يتعلق بأهل الجنة، كما في قوله سبحانه: (( {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا} النساء 57 - . لكن ليس في الجنة إلا خلود واحد أبدي، و لا يُوجد معه خلود طويل محدود.

و الشاهد الثاني مفاده أن تلك الزيادة تخالف الأحاديث الصحيحة التي أكدت على أن عصاة المسلمين لا يخلدون في النار مهما مكثوا فيها. منها حديث رواه الترمذي بقوله: (( حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان قال أبو سعيد فمن شك فليقرأ {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} قال هذا حديث حسن صحيح ) ) [1] .

و الشاهد الثالث مضمونه أن معنى ذلك الحديث ورد من طريق آخر ليس فيه تلك الزيادة التي نصت على الخلود المؤبد. و فيه يقول الترمذي: وروى محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل نفسه بسم عذب في نار جهنم. ولم يذكر فيه خالدا مخلدا فيها أبدا. وهكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أصح لأن الروايات إنما تجئ بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولم يذكر أنهم يخلدون فيها )) [2] .

و الشاهد الأخير- الرابع- يتعلق بإسناد ذلك الحديث، إنه إسناد فيه كلام يُضعفه من جهتين: الأولى تخص أبا صالح ذكوان، ففي رواية أنه قال: (( عن أبي صالح عن أبي هريرة أراه رفعه قال: ... ) ) [3] . و في أخرى أنه قال: (( عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ... ) ). [4] و في رواية (( عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ... » [5] ... . فواضح أن ذكوان لم يكن مُتأكدا من أن أبا هريرة رفع الحديث إلى النبي-عليه الصلاة و السلام- لأنه قال: (( أراه رفعه ) ). و مرة عنعن الحديث، و لم يُصرّح بالسماع من أبي هريرة- رضي الله عنه -.

و الجهة الثانية تتعلق بالراوي سليمان الأعمش، و هو و إن كان قد وثّقه بعض كبار المحدثين كالبخاري و مسلم، فإنه قد وُجد من جرّحه منهم في عدالته و ضبطه أيضا. من ذلك إنه كان يُدلس عندما يُعنعن [6] ،و حدّث عن أقوام لم يسمع منهم [7] ، و حدّث عن محدثين ما لم يسمع منهم [8] . و قيل فيه: ما أفسد أحد حديث الكوفة إلا أبو إسحاق، يعني السبيعي، وسليمان الأعمش )) [9] . و قال يزيد بن زريع: حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، وكان والله خربيًا سبئيًا، والله لولا أن شعبة حدث عنه، ما رويت عنه حديثًا أبدًا )) [10] . و قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الاعمش اضطراب كثير )) [11] .

فواضح من ذلك أن الرجل فيه ضغف واضح من جهة عدالته و ضبطه، و حديثه السابق بينا أن متنه لا يصح بسبب تلك الزيادة. و هذا يكفي لرفض الحديث، لأنه لم يثبت و لا صح متنا و لا إسنادا.

(1) الترمذي: السنن، ج 4 ص: 396.

(2) نفس المصدر، ج 4 ص: 206.

(3) نفسه، ج 4 ص: 206.

(4) الترمذي: السنن، ج 4 ص: 206.

(5) مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 72.

(6) ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 1 ص: 390.

(7) ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 3 ص: 150.

(8) أبو المعاطي النوري: موسوعة الإمام أحمد في الجرح و التعديل، ج 2 ص: 91. الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 2 ص: 224.

(9) نفسه، ج 2 ص: 224.

(10) أحمد بن حنبل: العلل و معرفة الرجال، ص: 92. أبو المعاطي النوري: موسوعة الإمام أحمد، ج 2 ص: 93.

(11) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 2 ص: 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت