بعد ذلك ذهبت إلى الإسكندريّة لإحياء أسبوع مولد العذراء، وفي يوم الأحد أثناء صلاة القداس المعتاد وفي فترة الراحة ذهبت إلى كرسي الاعتراف لكي أسمع اعترافات الشعب الجاهل الذي يؤمن بأن القسيس بيده غفران الخطايا.
جاءتني امرأة تعض أصابع الندم، قالت:"إني انحرفت ثلاث مرات وأنا أمام قداستك الآن أعترف لك رجاء أن تغفر لي وأعاهدك ألا أعود لذلك أبدا"، ومن العادة المتبعة أن يقوم الكاهن برفع الصليب في وجه المعترف ويغفر له خطاياه.
وما كدت أرفع الصليب لأغفر لها حتى وقع ذهني على العبارة القرآنية الجميلة (قل هو الله أحد) فعجز لساني عن النطق وبكيت بكاءً حارًّا وقلت:"هذه جاءت لتنال غفران خطاياها منّي فمن يغفر لي خطاياي يوم الحساب والعقاب."
هنا أدركت أن هناك كبير أكبر من كل كبير، إله واحدٌ لا معبود سواه. ذهبت على الفور للقاء الأسقف وقلت له:"أنا أغفر الخطايا لعامة الناس فمن يغفر لي خطاياي"، فأجاب دون اكتراث:"البابا"، فسألته:"ومن يغفر للبابا"، فانتفض جسمه ووقف صارخًا وقال:"أنت قسيس مجنون واللي أمر بتنصيبك مجنون حتّى وإن كان البابا لأنّنا قلنا له لا تنصّبه لئلاّ يفسد الشعب بإسلاميّاته وفكره المنحل"؛ على إثر ذلك صدر قرار البابا بحبسي في دير (ماري مينا) بوادي النطرون.
أخذوني معصوب العينين وهناك استقبلني الرهبان استقبالًا عجيبًا كادوا لي فيه صنوف العذاب علمًا بأنّني حتّى تلك اللحظة لم أسلم، كل منهم يحمل عصا يضربني بها وهو يقول:"هذا ما يصنع ببائع دينه وكنيسته".
استعملوا معي كل أساليب التعذيب الذي لا تزال آثاره موجودةً على جسدي وهي خير شاهدٍ على صحّة كلامي حتّى أنّه وصلت بهم أخلاقهم اللاإنسانيّة أنهم كانوا يدخلون عصا المقشّة في دبري يوميًّا سبع مرّات في مواقيت صلاة الرهبان لمدّة سبعة وتسعين يومًا، وأمروني بأن أرعى الخنازير.
وبعد ثلاثة أشهر أخذوني إلى كبير الرهبان لتأديبي دينيًا وتقديم النصيحة لي فقال:"يا بنيّ. . إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، اصبر واحتسب، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب"، قلت في نفسي ليس هذا الكلام من الكتاب المقدس ولا من أقوال القديسين، وما زلت في ذهولي بسبب هذا الكلام حتى رأيته يزيدني ذهولًا على ذهول بقوله:"يا بنيّ نصيحتي لك السر والكتمان إلى أن يعلن الحق مهما طال الزمان"تُرى ماذا يعني بهذا الكلام وهو كبير الرهبان.
ولم يطل بي الوقت حتى فهمت تفسير هذا الكلام المحيّر، فقد دخلت عليه ذات صباح لأوقظه فتأخر في فتح الباب، فدفعته ودخلت وكانت المفاجأة الكبرى التي كانت نورًا لهدايتي لهذا الدين الحق دين الوحدانيّة عندما شاهدت رجلًا كبيرًا في السنّ ذا لحية بيضاء وكان في عامه الخامس والستّين وإذا به قائمًا يصلي صلاة المسلمين (صلاة الفجر) .