أولها: الخصوصية، أي: أن الأمر على عمومه من كون المشفوع له لا بد أن يكون موحد. إلا أن هاتين الحالتين (الشفاعة العظمى لأهل الموقف، وشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمه أبي طالب) حالتان خاصتان تخرج عن الإطلاق والعموم السابق.
وثانيها: أن الشفاعة التي أُنيط بها كون المشفوع له لابد أن يكون موحدًا مخلصًا هي الشفاعة المتعلقة بإخراج صاحبها من النار، وإعتاق رقبته من جهنم والشفاعتان السابقتان لا تخرج عن ذلك، فالشفاعة العظمى هي شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن يفصل بين الخلق بعد وقوفهم، والشفاعة الثانية المتعلقة بعم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هي تخفيف لا إعتاق رقبته من النار، فخفف الله عذاب عمه أبي طالب إلى أن وضع له ضحضاح من النار إلى كعبي رجليه يغلي منهما دماغه، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (أهون الناس عذابًا في النار) وفي رواية (أهون أهل النار عذابًا رجلٌ وضع له نعلان يغلي منهما دماغه) . قال الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهما: المقصود هو عم النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو أخفهم، وذكر ابن تيميه (في درء تعارض النقل والعقل) (أنه لا مانع أن يشارك أبا طالب غيره في العذاب فيمن قد يخفف عنهم العذاب، لأن الإثبات والنفي يتعلقان بنص، ولا نص إلا على عم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه توضع له نعلان أو توضع قدماه في ضحضاح من النار يغلي منهما دماغه) .
وثمت معان تتعلق بالشفاعة من حيث معنى الشفاعة اللغوي والاصطلاحي الذي سبق، وهو ما يقع بين الخلق في الدنيا من شفاعة بعضهم لبعض عند ذوي الجهات لتحقيق مطلب ما، والضابط في ذلك هو أن تكون الشفاعة جائزة في أصلها.
وقد قسم الله عز وجل الشفاعة في القرآن إلى قسمين: ــ
إلى شفاعة حسنه وأخرى سيئة، حيث يقول سبحانه {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، إن الله كان على كل شيء مقيتا} .
فتقسيم الشفاعة إلى هذين القسمين فيه دلالة على أن من الشفاعة ما هو جائز ومنها ما هو غير جائز، قال شيخ الإسلام رحمه الله (والقاعدة في ذلك أن الشفاعة إذا كانت من باب التعاون على البر والتقوى فهي حسنه بشرط أن يكون الشيء المشفوع فيه جائز شرعًا) .
وأما الشفاعة السيئة فهي من باب التعاون على الإثم والعدوان بشرط أن يكون الشيء المشفوع فيه هنا يكون إثمًا وغير جائز أو يكون المشفوع له لا يستحق هذه الشفاعة.
ومثال الشفاعة الحسنه كأن يشفع الإنسان بين ابن وأبيه بأن يصلح فيما بينهما، فيذهب إلى أبيه ويشفع له عنده بأن يقبل عذر ابنه بعد أن أباه أبى ورفض، وهذا من الأمثلة التي يذكرها الفقهاء.