هذا الباب وهو قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم ... } أتى به المصنف ليكون من باب التنبيه للخاص بعد ذكر العام حيث أن الباب السابق عمم فيه عدم نفع جميع المعبودات لعابديها ولو بشيء قليل حقير، ثم أتبع ذلك ببيان أعظم المخلوقات وأصلح المخلوقات ألا وهي الملائكة فإذا ثبت ضعفها وأنها مخلوقة وأنها لا تملك لذاتها نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيرها فمن باب أولى أن يحكم على غيرها بما حكم لها.
قوله [وقول الله تعالى {حتى إذا فزع عن قلوبهم} ] من التفزيع وهو ذهاب الفزع، والفزع كما قال الراغب في (المفردات) أصله خوف وهلع يحصل في الفؤاد عند رؤية المخوّف أو توقعه، وهذا التفسير بكون الفزع ذهاب أو فزع بأنه ذهاب الفزع هو الذي عليه أكثر المفسرين كما حكى ذلك ابن أبي حاتم وابن جرير في تفسيرهما، وأسندوا ذلك لابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وآخرين.
قوله [عن قلوبهم] فيه خلاف بين أهل التأويل هل المقصود الملائكة أم أهل الشرك؟ على قولين، والذي عليه أكثر المفسرين أن المقصود في الآية هم الملائكة، قال ابن عطية في (تفسيره) ... (وهذا الذي تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة) وبذلك قطع شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، وقال ابن كثير رحمه الله (هذا هو الحق الذي لا مرية فيه وتظاهرت عليه الأحاديث والآثار) فإذا كان ذلك كذلك ففي الآية إثبات وجود القلوب للملائكة.
قوله [ {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} ] تفسير هذه الآية موجود في حديث أبو هريرة كما سيأتي بطوله. وفي قوله {قالوا الحق} أي: أن الله هو الحق ولا يقول إلا حقًا والحق ما كان عدلًا وصدقًا، وقوله {وهو العلي الكبير} فيه إثبات علو الله سبحانه وتعالى، والعلو ينقسم إلى قسمين: ــ
الأول: علو ذات، ومعناه: أن ذات الله مقدسة عالية على خلقه، بائنة منه مستوية على العرش. والثاني: علو صفات: وهو أن جميع الصفات وجميع الأسماء التي اتصف بها الله أو سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - كلها عالية القدر لله منها أعلى ما يوجد منها، فمثلًا إثبات الإرادة لله عز وجل فلا شك أن الله موصوف بتمام وأعلى الإرادات التي ليس فيها ضعف وليس فيها شيء من ما يصيب جميع إرادات الخلق.
قال المصنف رحمه الله [وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها .. ) ]
قوله [في الصحيح] يعني صحيح البخاري.