فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 293

ولذلك قال سبحانه في عجز هذه الآية وآخرها {إنك إذًا من الظالمين} أي إن أنت دعوت غيري ترجو رحمته وتخشى ضره وعذابه، أي رغبةً ورهبةً ورجاءً وخوفًا لأن جميع المخلوقات من الأصنام والأوثان وغيرها لا تملك شيئًا لأنفسها فضلًا عن غيرها. وهذا من باب التنبيه على حقارة الأمر وما يؤول إليه.

قوله [ {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} ] عبرّ سبحانه وتعالى بالمس دون الفعل لأنه سبق معك أن الشر لا ينسب إلى فعل الله عز وجل ولا إلى إرادته سبحانه وتعالى، لأن النسبة تقتضي إثبات باطل، وإنماينسب الشر مطلقًا إلى المخلوقات والمفعولات، وأما الله سبحانه وتعالى فلا ينسب إليه الشر ولا إلى إرادته، وقد سبق أن ذكرنا ذلك عند الكلام عن الحديث السابق في قوله - صلى الله عليه وسلم - (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) .

قوله [ {فلا كاشف له إلا هو} ] هذا فيه تقرير لما سبق، وهو أن تلك الآلهة والمخلوقات التي يدعونها من أصنام وأوثان وغيرها إنما دعوها من أجل رجاء أو خوف أو رغبة ورهبة أو أن تقضي لهم بعض الحاجيات وهذا كله منتفي عنها وكله ليس إلا إلى الله سبحانه وتعالى.

ولذلك جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في سنن الترمذي وحسنه (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك .. ) وفي رواية (واعلم أن الجن والإنس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء .. ) الحديث. ولما تبين أن الأمر مردّه إلى الله سبحانه وتعالى عُلِم أن دعاء غير الله كان باطلًا غير جائز، وأنه من الشرك به سبحانه وتعالى.

قوله [وقوله تعالى {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه} ] يقول البلاغيون أن تقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم يقتضي التخصيص وهذا مقرر عند الأصوليين، ففي الآية تقديم الظرف في قوله تعالى {عند الله} وهي جملة حالية وحقّها التأخير إلى ما بعد (الرزق) فالأصل (فابتغوا الرزق عند الله) فقدم ما حقه التأخير وهي الجملة الظرفية الحالية هنا ليلفت الله عز وجل السامع للآية أو التالي لها إلى أن الرزق ليس إلا من عند الله سبحانه وتعالى، فلا يبتغ إلا منه وحده فكذلك العبادة، فإن العبادة له سبحانه وتعالى كما قال بعد {واعبدوه} ، لأن المعبودات إنما عبدت بباطل وهو سبحانه وتعالى المعبود بحق، والدعاء والاستغاثة كلها عبادة فلا تصرف إلا له سبحانه وتعالى.

قوله [وقوله تعالى {ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت