إشراك، يعني قد تجحد الشيء أو تثبته ولكن معه غيره، وأما الشرك فهو قاصر على المعنى الثاني وهو إثبات مع إشراك، فيكون الشرك أخص والكفر أعم إذ له صورتان خلافًا للشرك فله صورة واحدة، فالحلف بالله قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر.
فأما كونه أكبر إذا ساوى الإنسان عند حلفه غير الله بالله واعتقد ذلك، وهذا مخرج من الملة، وهذا شرك في الربوبية. ويكون أصغر إذا لم يكن مساويًا لغير لله بالله عندما يحلف بغير الله، وإنما وقع منه الحلف بغير الله تعظيمًا لذلك الغير، فهذا من جنس الشرك الأصغر، وهذا هو الأصل في الحلف بغير الله أنه من باب الشرك الأصغر.
ومن الحلف بغير الله الحلف بالأمانة، كأن يقول بعضهم: بالأمانة كذا ونحوها، وهي لفظة دارجة على ألسنة كثير من العامة، فقد ثبت في سنن أبي داود من حديث بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (من حلف بالأمانة فليس مني) وهذا فيه تبرؤ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحالف بالأمانة.
قوله [وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلىّ أن أحلف بغير الله صادقًا] هذا الخبر رواه عبد الرزاق في المصنف، وكذا غيره، وظاهر السند الصحة وأشار إلى ذلك الهيثمي في ... (مجمع لزوائد) ، وذكر بعضهم انقطاعًا فيه، وعلى كلٍ فالمعنى صحيح، وذكره غير واحد كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، وبيانه أن الإنسان إذا حلف بالله كذبًا، أي على أمر يعرف أنه غير مطابق للواقع فقد وقع في كبيرة، ولكنه موحدًا، وأما إذا حلف بغير الله فإنه حينئذ يكون مشركًا وإن صدق فيما حلف عليه.
ولذلك أبان ابن مسعود رضي الله عنه عن معنى عظيم يجهله كثير من المسلمين وهو كون الإنسان يكذب ويرتكب كبيرة من الكبائر أهون من كونه يشرك، لأن الشرك أعظم من الكبائر ولو كان أصغر، فالشرك الأصغر أعظم من كبائر الذنوب كما سبق تقريره.
قوله [وعن ابراهيم النخعي أنه يكره أعوذ بالله وبك] لأن فيها شركًا في باب الإستعاذة، والإستعاذة من منازل العبودية التي لا ينبغي صرفها لغير الله عز وجل، وسبق معنا بيان ذلك في باب الإستعاذة.
قوله [ويجوز أن يقول: بالله ثم بك] (يجوز) فيها ضبطان، إما أن تعود على النخعي فتكون (ويُجَوِّز) يعني النخعي، أو (يَجُوز) فهذا وهذا سائغان ومحتملان.
(بالله ثم بك) أي عندما تأتي بـ (ثم) ينتفي التشريك الوارد فيها في (الواو) .
قوله [ويقولون لو لا الله ثم فلان، ولا تقولوا لو لا الله وفلان] وهو على ما سبق أن الواو تقتضي التسوية والتشريك، وهذا لا يجوز، بل هو من الشرك كما سبق بيانه.