فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 293

المشركين للأنداد مثل تعظيم المؤمنين لله، ولا شك أنهم وصلوا بهذا التعظيم إلى الكفر والشرك إذ إنهم رفعوا غير مقام الله وأعطوه من المحبة والتعظيم مالا يصلح إلا لله سبحانه وتعالى.

وقوله سبحانه {كحب الله} فيه إشارة إلى نفي جنسين آخرين من أنواع التنديد والشرك: ـ

الأول: هو أن تكون محبة المندد به فوق محبة الله.

والثاني: أن تمحّض له المحبة بحيث لايكون في قلب ذلك المندد محبة لله مطلقًا، وإنما محض محبته كلها لغير الله من الأصنام والأوثان أو الطواغيت، إذ إن الآية في ظاهرها قاصرة على التسوية والشركة في باب المحبة والتعظيم لله؛ ولكن باللزوم تدل على تينك المحبتين اللتين ذكرتا سابقًا، التي هي فوق محبة الله سبحانه وتعالى، أو أن تمحض له المحبة، لذلك المندد به من الأوثان والأصنام ونحوها.

قوله [وقوله تعالى {قل إن كان آبائكم ... } الآية] هذا فيه دلالة على أن الله عز وجل توعد بالعقاب أولئك الذين يقدمون غير محبته سبحانه وتعالى على محبته، كمحبة الأهل والسكن والآباء والأبناء وغيرها، فإن تلك المحاب وإن كان لها أصل في الطبائع البشرية فإنها لا تعدو قدرها فإذا زيدت بحيث قدمت على محبة الله تعالى كما في الآية السابقة، فإن ذلك من الأمور الكفرية الشركية التي لا تجوز.

قال المصنف [عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) أخرجاه] . هذا الحديث فيه دلالة عظيمة على ضرورية تقديم محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على جميع الخلق فأعظم الخلق محبة في القلوب هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم الأشياء محبة هو الله سبحانه وتعالى. ففرق بين جنس الأشياء إذ إنه قد ورد في البخاري وصف صفات الله بشيء كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أمعك شيء من القرآن) وهذا فيه دلالة كما قال البيهقي وابن تيمية وغيرهما رحمهما الله: أن صفات الله تنعت بشيء، وهذا من باب الأخبار الجائزة الصحيحة. والمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن تقدم محبته على جنس الخلق كلهم من الآباء والأبناء والأهلين وغير ذلك ويؤكده ما جاء في الصحيحين من حديث ابن هشام عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يقدم محبته على كل شيءٍ سوى نفسه، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يجوز ذلك بل لابد من تقديم محبته - صلى الله عليه وسلم - على النفس، فذكر له عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقديمه محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - علىكل المخلوقات حتى على نفسه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمته المعروفة (الآن ياعمر) أي: الآن استكملت الإيمان الواجب وأتيت بالإيمان المحقق على الوجه المطلوب.

ثم إن محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي ليست محبة مع الله أو من دون الله بحيث تكون شركية وإنما هي محبة في الله ولأجل الله، ومن ثَمَّ يُفَرَّق بين المحبتين بين المحبة الشركية التي قد يعتقدها بعض المتصوفة الغالين في النبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت