قال ابن رجب ـ رحمه الله ـ: (وكان عمر يتعاهد الأرامل، فيستقي لهنَّ الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارًا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك طلحةُ، عثرات عمر تتبع؟!) [1]
وهكذا كانت عهود المسلمين من بعد دالة على عظيم منزلة البذل والعطاء عندهم.
ولقد كان نظام الوقف في الإسلام من أوضح الدلالات على سعة العمل الخيري في الإسلام؛ لأن الوقف غير محدود المصارف، بل تجد في كل زمان من المصارف بحسب حاجة الناس.
وتتطور وسائل التعامل مع الوقف بحسب تطور المجتمعات.
فكانت الأوقاف عنصرًا رئيسًا في التكافل المتحقق في المجتمعات المسلمة، ولقد أحصى د: حمد بن إبراهيم الحيدري عددًا كبيرًا من مصارف الوقف في القديم والحديث فقال: (من مصارف الوقف القديم: الأسرى، الأطباء، الأقارب، الأولاد، الأيتام، أبناء السبيل، أتباع المذاهب، اعمار الأوقاف، البر، البريد، البلاد المقدسة، التزويج، الثغور، الجيش، الضعفاء، العلماء، الفقراء والمساكين، المدارس الشرعية، المساجد، المسلمون، المستشفيات، المقابر، الموالي، أهل البيوت وذوي الأقدار، أهل الحديث، تأليف الكتب، تعليم القرآن، الحجر الصحي، دور الضيافة، رصف الطرق وتعديلها، سقاية الماء، سقي الحجيج، إسكان الحجيج وإطعامهم، طرق الحج، طلاب الأدب، العاجزون عن الحج، في سبيل الله المحاويج والأرامل، مدارس الطب، المراصد الفلكية، المساجين، الجيران، وقف الكتب وغيرها على الجوامع) .
ثم قال: (من مصاريف الوقف العصرية: الإعلام، إقامة الدورات الشرعية، إيجاد فرص عمل للعاطلين، بناء مساكن للأئمة والمؤذنين، تخفيف الآلام عن المصابين وأصحاب الحمالات، التفريج عن المعسرين عن طريق القرض أو التبرع، تفطير الصائمين، تكييف المساجد، تمويل المسابقات في حفظ القرآن الكريم، دعم المراكز الإسلامية، دعم المدارس الشرعية، الدعوة إلى الله رعاية أسر من غاب عنهم عائلهم، طباعة الكتب وتوزيعها، المشاركة في علاج الحالات المرضية المستعصية، المنكوبون بحوادث السيارات والهدم .. نسخ وتوزيع الأشرطة الإسلامية، تجهيز الغزاة، توفير السكن المؤقت لطلبة العلم، توفير السكن الملائم للمحتاجين قرضًا أو تبرعًا.) [2]
وبالنظر لهذه المصارف يتضح مدى اتساع دائرة الوقف، وأنه تطبيق حي لقيم التكافل الاجتماعي، حيث يرفد الحياة بشتى مناحيها بصور من العناية والرعاية والاهتمام.
وفيما يخص الأوقاف بالمساعدة على الزواج فقد تميزت الأوقاف بالآتي:
(1) جامع العلوم والحكم: (2/ 295)
(2) مجالات الوقف ومصارفه في القديم والحديث: (53 ـ 54) .