ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة،"قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يتهلل كأنه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ:"من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان
عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" [1] "
وعلى ذلك جرى صحابته الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ فوقفوا حتى قال جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ: (لم يكن أحدٌ من أصحاب النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ذو مقدرة إلا وَقَفَ) [2] (
وعنه أيضًا قال: (ما أعلم أحدًا كان له مالٌ من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالًا من ماله صدقة مؤبدة، لا تُشْتري أبدًا، ولا تُوهب، ولا تُوَرث) [3]
قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ:(قال الحميدي: تصدق أبو بكر بداره على ولده، وعمر بِرَبعه عند المروة على ولده، وعثمان برومة، وتصدق عليٌّ بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة، وداره بمصر على ولده،
وعمرو بن العاص بالوهط، وداره بمكة على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك كله إلى اليوم) [4]
وقد ضرب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في البذل أروع الأمثلة فكان أبو بكر الصديق (يحلُبُ للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى، وإني لأرجوا أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله) [5]
والعرب كانت تستقبح أن تحلب المرأة النعم.
(1) رواه مسلم كتاب: الزكاة: باب: الحث على الصدقة برقم ك (1017) ص: (392 ـ 393) والنسائي: كتاب: الزكاة، باب التحريض على الصدقة برقم: (2554) ص: (275) وابن حبان برقم: (3308) (8/ 101) ، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (7530) (4/ 175) وابن أبي شيبة في مصنفه برقم: (9803) (2/ 350) ، وأحمد ... (4/ 358) .
(2) ذكر هذا الأثر جمع من الفقهاء منهم ابن قدامة في المغني (8/ 185) ، والرملي في نهاية المحتاج ... (5/ 359) ، وابن ضويان في منار السبيل: (2/ 3) , والبهوتي في كشاف القناع: (4/ 240)
(3) الأثر بهذا اللفظ أورده الطرابلسي في الإسعاف في أحكام الأوقاف: (7)
(4) المغني (8/ 185 - 186)
(5) ابن رجب: جامع العلوم والحكم: (2/ 295)