ولا بدّ أن أشير هنا إلى أنّ «كتابة القليل والكثير» منه في الحكم سواء، أعني: «التّحريم» .
والّذين أجازوا القليل [1] مثل الفاتحة فقط، ثمّ قصار السّور، فإنّا نقول لهم: في سَدّ القليل صَدّ عن الكثير، وبغلْق هذا الباب تطمئنّ ضمائر أولوا الألباب، وتستريح أيادي أولئك الأرباب، من الاقتراب إلى حمى هذا الكتاب، لأنّ دَرْءَ المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، هكذا نبّه الفقهاء.
ففي الثّمانينات (أي الميلاديّة) ، وجدناهم - أي العابثين - يكتبون الفاتحة، ثمّ خطوا خطوة أخرى فكتبوا قصار السّور، ثمّ واصلوا الكتابة إلى (حزب سبّح) ، ثمّ تسابقوا: فمنهم من أخرج (جزء عمّ) ، ومنهم من تمادى فأخرج (جزء تبارك) ، ثمّ تنافسوا في شناعة العمل، ليقال: أيهم أحسن عملا، حتّى أخرج كبيرهم مصحفا كاملا باللاّتينيّة.
كنت أتابع موضوع «كتابة القرآن بالحروف اللاّتينيّة» منذ العام (1405 هـ=1985 م) باهتمام بالغ، ولوعة مؤرّقة، كيف وأنا أرى - يومها - الخرْق يزداد على الرّاقع ويتّسع، ووجدتُ من العلماء من لا يرعى هذا الموضوع اهتمامه، بل كان يراه هيّنا، ولكنّه في الحقيقة عند الله عظيم، حتّى أنّ فضيلة الشّيخ فيصل مولوي المستشار بالمحكمة الشّرعيّة السّنيّة العليا في بيروت - لمّا نزل بمدينة باريس للإقامة فيها في منتصف الثّمانينات - عرضتُ عليه الموضوع وحادثته فيه، ثمّ أبديت له رغبتي وعزمي على الكتابة فيه، فقال لي بعفويّته المعهودة: «ماذا ستكتب فيه؟» ، إذ كان يرى حفظه الله: أنّ هذه النّازلة بسيطة، ولا تستدعي كلّ هذا القلق.
وفعلا، كتبتُ في الموضوع وفرغت منه في (24/ 06/1405 هـ=15/ 03/1985 م) ، ثمّ صدر في باريس بعنوان: (كتابة النّصّ القرآني بالحرف اللاّتيني خطر داهم على المصحف العثماني) عام (1407 هـ=1987 م) .
ثمّ قمت بإرسال رسائل مصحوبة بنسخ منه إلى نخبة من أصحاب الفضيلة العلماء، ودوائر العلم والفتوى في المشرق والمغرب، أستطلع رأيهم في الموضوع ذاته (أوّلا) ، ثمّ لأرى انطباعاتهم عن الكتاب المرسل إليهم (ثانيا) ، وذلك
(1) كان ذلك قبل عشرين سنة، وما أراهم اليوم سيجيزون ذلك بعدما وصل الأمر إلى ظهور مصحف كامل باللاّتينيّة.