وأخيرا أقول: لقد نبَغ من الأمم الأعجميّة التي رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا ورسولا، رجال فطاحل في علوم الدين، وأبطال بواسل في الفتوحات التي شرّقت وغرّبت، حتّى بلغت حدود الصّين، وصلت إلى نهر السين.
ولولا خشية الإطالة لجرّدتُ أسماء كثيرين في هذه المقالة.
يرى المفكّر العملاق الأستاذ أنور الجندي (ت 1423 هـ=2002 م) أنّ محاربة اللغة العربيّة تمهيدا لإقصائها، وإحلال حروفها بحروف أخرى، بدأ منذ الاحتلال الأوربي لبلدان العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر الميلادي، فيقول في كتابه (اللغة ص 22) : حُورِبت اللغة العربيّة منذ وصل الاحتلال الغربي إلى بلاد الإسلام .. أمّا في البلاد العربيّة فقد حُورِبت اللغة العربيّة بحصرها في الجوامع، والاستعاضة باللغة العاميّة الدّارجة، وكذلك الدّعوة إلى إلغاء الحرف العربي، والاستعاضة عنه بالحروف اللاتينيّة، وجرت حملة واسعة بالادّعاء لعجز اللغة العربيّة عن أداء مهمّتها إزاء المصطلحات الحديثة، وصعوبة تعلّمها. اهـ
وهذا الذي يقوله الأستاذ أنور الجندي صحيح: «ففي سنة 1883 دعا اللورد دفرين البريطاني إلى محاربة العربيّة والاهتمام باللهجات العاميّة، وسار على نفس النّهج وليم وديلكوكس سنة 1892 وكان ديلكوكس هذا يعمل مهندسا للريّ في مصر، وقد دعا إلى العاميّة وهجْر العربيّة، وخطا باقتراحه خطوة عمليّة بأن ترجم الإنجيل إلى ما أسماه باللغة المصريّة، ثمّ القاضي الانجليزي ويلمور الذي عاش في مصر وألّف سنة 1902 كتابا باسم (لغة القاهرة) ، واقترح فيه قواعد، نصَح باتخاذها للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينيّة» . [1]
وممن استحسن هذه النّظريّة، وتجاوب مع تلك الدّعوة الهدامة: الدكتور عبد العزيز فهمي - زعيم الأحرار الدّستوريين في مصر آنذاك - فقد تقدّم سنة (1361 هـ = 1942 م) إلى مجمع اللغة العربيّة في القاهرة بمشروع خطير،
(1) مجلّة الوعي الإسلامي. العدد 258 - جمادى الآخرة 1406 هـ، (ص 32) .