فما هو السّبب يا ترى؟ في حين أنّهم أعداء له ولدينه، وأنّه قد يُخشى منهم أن لا يهتمّوا بقراءة مكاتيبه؟
والّذي يجيب عن هذا هو الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ=1448 م) في كتابه العظيم (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) فيقول: «ليس من سبب سوى أن يسلّطهم على تعليمه، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ العربيّة، فكأنّه عليه السّلام حملهم على تعلّمها، حتّى يفهموا ما جاءهم من عنده من بيان وقرآن» .
وأنا أقول: إنّ ما قاله الحافظ ابن حجر (قديما) ، هو الّذي يصار إليه (حديثا) ، فيقال لمن يسأل - وإن بعفويّة وبراءة: ما هو البديل في حقّ من لا يعرف «اللّغة العربيّة» حتّى يقرأ القرآن؟ وجوابه هو: أنّ تلاوة القرآن الكريم «سنّة» ، وأنّ تعلّم اللّغة العربيّة لقراءة القرآن، وإقامة الفرائض وأداء الشّعائر «فرض» ، كما يُفهَم من كلام كثير من الأئمّة السّابقين.
وليس في تعلّم اللّغة العربيّة - أو أيّة لغة أخرى - أيّ غضاضة، لأنّ عصرنا الّذي نحياه اليوم: هو العصر الذّهبيّ لتعلّم اللّغات ونشرها.
وإذا كنّا نحن العرَبَ - شعوبا وحكومات - قد عجزنا عن أن نقرّب ثقافتنا الغنيّة بالمعارف إلى غير العرب ولو عن طريق ترجمة نفائسها، - وأذكر هنا بالمناسبة أنّ محصول التّرجمة من العربيّة إلى اللّغات الأجنبيّة على مدار السّنة هزيل جدّا إذا ما قورن بما تقوم به دول الغرب ودوائر التّرجمة سواء على المستوى الرّسمي أو حتّى الشّعبي -، فلنَسلُك على الأقلّ سبيلا أخرى قد تعضُد الأولى، وهي «تعريب اللّسان» بتعليم اللّغة العربيّة، خصوصا لألئك الّذين يعتنقون الإسلام، فإنّ لهم علينا حقّا في تعريبهم وتعليمهم.
ويقول بهذا الخصوص د. علي الخربوطلي في كتابه (الحضارة الإسلامية ص 31) : كان من اليسير على الأجنبيّ الذي يعيش في الأراضي المفتوحة أن يتعلّم اللغة العربيّة، وتعلّمها لا ينسخ لغته القوميّة المحلّية، فمن الممكن للفرد أن يتعلّم عدّة لغات في وقت واحد؛ وتعلّم لغة جديدة لا يغيّر من حياة الإنسان الاجتماعيّة، أو لونه الحضاري، أو من أفكاره واتجاهاته. أمّا اعتناق دين جديد، فمعناه: ترك الدين القديم، فلا تعدّد في الأديان، والدين ليس عبادات فحسب، بل هو معاملات، واتجاهات حضاريّة وفكريّة، ونُظم سياسيّة واجتماعيّة. اهـ