والواقع أنّ اللّغة العربيّة مهاد القرآن وسياجه، فإذا تضعضعت وأُقصيت عن أن تكون لغة التّخاطب والأداء، ولغة العلم والحضارة، أوشك القرآن نفسه أن يوضع في المتاحف ..
ولهذه الغاية الخاسرة تعمل فئات غفيرة من المستعمرين وأذنابهم، وما أكثر أولئك الأذناب في الجامعات والمجامع، ودُورِ الإذاعات والصّحف، وغيرها .. إنّ آباءنا عليهم الرّضوان نشروا اللّغة العربيّة بكلّ الوسائل المتاحة لهم، وما تأسّست مدرسة لخدمة الدّين إلاّ انقسمت علومها بين مناهج الشّريعة، ومناهج اللّغة والآداب ..
إنّ هناك لغات لَمْ يُشَرّفها الله بوحي، ولم تَصْحَب حضارة إنسانيّة مشرقة، يخدمها أبناؤها بذكاء نادر، فما دَهَى العرَبَ حتّى تركوا لُغَتهم توشك أن تكون من اللّغات، الميتة أو الثّانويّة في هذه الدّنيا!
إنّنا عجزنا عن جعل اللّغة العربيّة لغة أُولَى بين الألف مليون مسلم الّذين يعتنقون الإسلام، وهذا وحده فشل ذريع نُؤَاخَذ به يوم الحساب؛ ويرجع هذا الفشل إلى أنّ العرب أنفسهم لا يُجِلّون لغتهم، بل لقد استطاع الإستعمار الثّقافي أن يُكَرِّهَهَا لهم، أو يُحَقّرها لديهم، فأيّ بلاء هذا؟
وبقي عنصر أخير فرّطنا فيه كثير، وهو تعليم اللّغة العربيّة، سواء للمسلمين الأعاجم أو لغير المسلمين! إنّ الجهل باللّغة العربيّة يشيع بين ثمانين أو خمس وثمانين في المائة من المسلمين، وأمّا الجهل بها في أرجاء العالم فشيء مفزع، ولا يمكن عدّها لغة عالميّة مع أنّها الوعاء الفذّ للرّسالة العالميّة الوحيدة، الّتي طرقت أبواب العالم، وشاء القدر الأعلى أن تبقى فيه إلى يومه الأخير]. انتهى كلام الشيخ الغزالي رحمه الله.
وبالفعل، هذا ما قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين راسل باسمه الشّريف الملوك والعظماء: يدعوهم إلى الإسلام، ويبيّن لهم الشّرائع والأحكام، وقد كان منهم «عرب» و «عجم» [1] ، ومع ذلك لم يكتُب لهم - صلى الله عليه وسلم - آية واحدة بلغاتهم، مع وجود من يترجم له مثل: أُبَيّ، وسَلْمَان، وصُهَيْب، وغيرهم .. [2]
(1) أخرج الطّبرانيّ عن المِسور بن مخرمة - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن حُذافة - رضي الله عنه - إلى كسرى، وبعث سَليطَ بن عَمْرو - رضي الله عنه - إلى هَوْذَة بن عليّ صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرميّ - رضي الله عنه - إلى المُنذر بن ساوى صاحب هَجَر، وبعث عَمرو بن العاص - رضي الله عنه - إلى جَيْفَر وَعَبَّاد بنَي الجُلَنْدى مَلِكي عُمَان، وبعث دحية الكلبي - رضي الله عنه - إلى قيصر، وبعث شجاع بن وهب الأسدي - رضي الله عنه - إلى المنذر بن الحارث بن أبي شِمر الغسّاني، وبعث عمرو بن أميّة الضّمري - رضي الله عنه - إلى النّجاشي؛ فرجعوا جميعا قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير العلاء بن الحضرمي فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفّي وهو بالبحرين.
وأخرج أحمد والطّبراني عن جابر - رضي الله عنه - قال كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت إلى كسرى وقيصر وإلى كلّ جبّار.
(2) بقول العلاّمة المحدّث فضيلة الشّيخ عبد الفتّاح أبو غدّه (ت 1417 هـ=1997 م) ، في كتابه (الرّسول المعلّم وأساليبه في التّعليم/ص 214) : «حفظت كتب السّيرة والحديث والتّاريخ نصوص تلك الكتب الكريمة وألفاظها. وقد جمعت تلك الكتب والرّسائل في مجاميع مستقلّة بعضها مطبوع ومُتَدَاوَل، ومن أجمَعها كتاب: (إعلام السّائلين عن كتب سيّد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - /لابن طولون الدّمشقي) ؛ ومن الكتب الجامعة في هذا الموضوع كتاب: (مجموعة الوثائق السّياسيّة للعهد النّبوي والخلافة الرّاشدة/للأستاذ الدّكتور محمّد حميد الله) . اهـ