فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 46

لا بأذن واحدة، ويرى ما يَحْدُث حوله عن قرب أو بعد بعينين [1] لا بعين واحدة.

وهنا أنقل كلاما للدّاعية الكبير فضيلة الشّيخ محمد الغزالي (ت 1416 هـ=1996 م) من كتابه (الدّعوة الإسلاميّة تستقبل قرنها الخامس عشر) [2] ، وهو وإن كان طويلا لكنّه نفيس كقائله رحمه الله وغفر له، يقول الشّيخ:

[المسلمون في هذا العصر يكادون يجهلون أنّ لهم رسالة عالميّة، بل إنّ حياتهم وِفقَ شرائع دينهم وشعائره مَوْضِع ريبة، وقد تكون موضع مساومة ..

إنّ ذلك يوجب علينا الإحساس المضاعف بخطئنا وتخلّفنا، ويحمّلنا عبء المسارعة إلى تعليم الجاهل، ومراجعة المخدوع، وتعريف النّاس بربّهم الواحد الأحد الفرد الصّمد، وربطهم بالدّين الّذي حمل رايته جميع الأنبياء، ثمّ نقّاه وشدَّ دَعائمه، وثبّت أهدافه النّبيّ الخَاتَم محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -.

والأمر الثّاني المتّصل بعالميّة الرّسالة، يرجع إلى اللّغة العربيّة، فلغة الرّسالة الخالدة يجب أن تتبوّأ مكانة رفيعة لدى أصحابها ولدى النّاس أجمعين، فإنّ الله باختياره هذه اللّغة وعاء لوحيه الباقي على الزّمان، قد أعلى قدرها وميّزها على سواها.

(1) وليس معنى هذا أن يبقى المسلم منغلقا في دائرة لغة واحدة فقط، لا، فإنّ الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أمر زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بتعلم السُّريانية، كما روى ابن أبي داود وابن عساكر عن زيد قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تتعلّم كتاب العبرانيّة - أو قال السريانية -» فقلت: نعم، فتعلّمتها في سبع عشرة ليلة. وهذا عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - كان يعرف لغات غلمانه: أخرج الحاكم في المستدرك وأبو نعيم في الحلية عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير - رضي الله عنه - مائة غلام يتكلّم كل غلام منهم بلغة أخرى، فكان ابن الزبير يكلّم كل واحد منهم بلغته، فكنتُ إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين. وأيضا سلمان الفارسي - رضي الله عنه - (داعية أهل فارس) لم يتخلّ عن لغته الأمّ: «الفارسيّة» . أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي البَختري: أنّ جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي - رضي الله عنه -، فحاصروا قصرا من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله! أَلا نَنْهَد إليهم - بمعنى: ألا ننهض إليهم إلى القتال -؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمِعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم، فقال لهم: أنا رجل منكم فارسيّ، أَتَرون العرب تطيعني، فإن أسلمتم فلكم مثل الّذي لنا، وعليكم مثل الّذي علينا، وإن أبيتم إلاّ دينَكم، تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون - قال وَرَطَن إليهم بالفارسيّة وأنتم غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء.

(2) في الصّفحات التّالية: (174 ثمّ 176 ثمّ 177 ثمّ 195) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت