قد يكون الإنسان نائيًا عن بلدان المدينة ولو بمسافة قليلة، وذلك كبلاد طي؛ فإن بلاط طي ليست ببعيدة عن المدينة وهي أقرب من نجد بكثير؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه عدي بن حاتم الطائي عليه رضوان الله تعالى وبقي في المدينة، وكان من جهة لغته والمواضعة التي كان عليها تختلف عما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] ، أراد عدي بن حاتم أن يطبق ذلك الدليل فرجع إلى التفسير اللغوي لذلك، فقال عدي بن حاتم عليه رضوان الله تعالى: عمدت إلى عقالين: أسود وأبيض فوضعتهما تحت وسادتي، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ، في إنكار النبي عليه الصلاة والسلام عليه، مع أن استدلاله من جهة اللغة صحيح، إذا أراد الإنسان أن يرجع ويستنبط من هذه الآية أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم استنباطًا صحيحًا فيرجع إلى قواميس اللغة يجد أن كلمة الأبيض وكلمة الأسود المراد بها: الظلمة والنور، أيضًا من جهة الخيط المراد به هو الحبال ونحو ذلك، فهذا استنباط وتفسير صحيح، ولكنه خالف المصطلح الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فورد عليه الخلاف للنص.