بل أيضًا في كثير من أمور عادات الناس نحتاج إلى كثير من النصوص الشرعية لفهم وجوه الاستنباط حتى ننزلها على أحوالنا ونستأنس بذلك ونستمسك بشيء من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونشير في هذا المجلس إلى شيء من المسائل المتعلقة بالفهم وأهلية الاستنباط التي تتحقق في طالب العلم:
أولها: ما تقدمت الإشارة إليه: أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون من أهل الحفظ، ومعنى ذلك: أن يكون حافظًا لكلام الله حافظًا لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما كثر لديه المحفوظ استطاع أن يجمع النظائر وأن يفهم المصطلحات والسياقات، وكذلك لغة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الإنسان إذا خالط رجلًا لسنوات طويلة وعرف كلامه وفعله وقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه سبر حاله، وإذا نقل إليه قول يختلف عن تلك الأحوال فإنه ربما يستنكر ذلك؛ لأنه يخالف ما سبره من حاله، كذلك إذا أطلق عبارة من العبارات استطاع أن يوجهها على ما يريد قائلها، لا على ما يفهمها سامعها الذي يسمعها عرضًا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وجه الصحابة في هذا المعنى إلى حفظ السنة وأهمية تدوينها، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال البخاري في كتابه الصحيح: باب كتابة العلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لأبي شاه) ، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة أن يحفظ السنة فحفظها ولم ينس منها شيئًا عليه رضوان الله تعالى، فكان أكثر الصحابة حفظًا لأقواله عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضًا ظهر حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتابة العلم كما أمر بذلك جماعة فيما يتعلق بكلام الله سبحانه وتعالى، وتجلى ذلك واضحًا في زمن أبي بكر و عمر و عثمان.