أو يأخذ تلك المحفوظات على سبيل العجلة، فمن أخذها على سبيل العجلة ضعف من جهة الفهم واستعجل أيضًا من جهة الأخذ فهمًا؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الإنسان ينبغي له أن يبلغ الدليل ولو لم يحفظ أو لم يفهم المعنى الوارد فيه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) ، أي: أن الإنسان ينبغي له أن يحفظ الأدلة وأن يبلغها غيره، فربما دارت تلك المعاني والأفهام إلى أناس يستنبطون من الأدلة ما لا يستنبطه الإنسان الأول؛ فإن الشريعة ينبغي أن تدور في الناس. لهذا نجد أن كثيرًا من العلماء يستنبطون بعض المسائل الشرعية والأحكام من جهة الاستنباط الدقيق مما لم يكن أو لم يقع لمن سبقهم وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى -كما جاء في الصحيح لما سئل عن الصحيفة- قال: ما فيها إلا فهم آتاه الله عبدًا من عباده، أي: أن الله جل وعلا قد يؤتي إنسانًا فهمًا لا يؤتيه آخر، وهذا أيضًا ظاهر في قول الله جل وعلا: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] ، مع أنهما في مقام النبوة، إلا أن سليمان امتاز على أبيه بفهم مسألة لم يفهمها داود، وهذا لا يعني سقوطًا في المنزلة ولا ضعفًا في أهلية العلم، ولكن هو تمييز لغيره لبعض الحكم الإلهية التي يريدها الله سبحانه وتعالى. ونحن في الأزمنة المتأخرة أحوج ما نكون لمسائل الاستنباط من الأدلة، وكذلك تنزيل الأحكام الشرعية على وقائع الحال، فنحن نعيش نوازل كثيرة سواء في أبواب العبادات أم أبواب المعاملات، أم في أبواب الأخلاق والسلوك والآداب، أم غير ذلك.