والعلة الأخرى: أن هذا الحديث لا يحتمل منه تفرد مثل حال سليمان، سواءً كان ابن الأرقم أو ابن داود، فسليمان بن الأرقم متروك الحديث، وهو مطروح، ومنكر الحديث جدًا، وأما بالنسبة لسليمان بن داود فهو أحسن حالًا منه مع ضعفه، وأنه لا يحتمل منه مثل هذا الحديث؛ لأنه يرويه عن ابن شهاب الزهري، و ابن شهاب الزهري من الأئمة الرفعاء الثقات المدنيين الكبار، ومثل هذا الحديث بطوله ينبغي أن يرويه من هو أجل وأوثق من سليمان، وتفرد سليمان بمثل هذا الحديث مع طوله وهو حديث طويل نشاهده في بابنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة واجبة) ، وهذا من علامات إنكار هذا الحديث. ومن وجوه الإعلال في هذا الحديث: أنه قد اختلف في وصله وإرساله، فإنه جاء من حديث يونس عن الزهري مرسلًا، ولم يجعله موصولًا، قال أبو داود في كتابه المراسيل: روي موصولًا ولا يصح، وأبو داود رحمه الله إذا ذكر في كتابه المراسيل حديثًا مرسلًا فظاهره أنه يميل إلى إعلال الموصول في غيره؛ لأن عادة النقاد الأوائل أنهم لا يلتفتون إلى الإرسال إلا إذا كان معتبرًا، فإذا دونوا في كتب المراسيل فإن هذا علامة على اعتبارهم لإرساله، ولهذا نقول: إن كتاب المراسيل لأبي داود هو كتاب علل، فينبغي لطالب العلم أن يعتني به، وأن يقارنه بغيره مما يوصل، وهل ينص على أن أبا داود رحمه الله أعله؟ نقول: لا حرج على طالب العلم أن يقول: أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل وظاهره أنه يعله بالإرسال، وأخص معاني الإعلال بالإرسال إذا كان الحديث موصولًا عند أبي داود في كتابه السنن ومرسلًا في كتابه المراسيل، فهذا دليل قاطع على أنه وقف عليه موصولًا ووقف عليه مرسلًا.