الصفحة 84 من 167

يحرم قليله وكثيره، والحنفية قالوا: تركناه لأنه عارض ما هو أقوى منه وهو قول الله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} ، والمالكية قالوا: عارض عمل أهل المدينة. قال القاضي أبو الوليد الباجي في كلام له في المسح على الخفين:"روي عن مالك في العتبية ما ظاهره المنع منه، وإنما معناه إيثار الغسل عليه وحسبك بما أدخل في موطئه وهو أصحُّ ما نقل عنه، وقد قال الشيخ أبو بكر في (شرح المختصر الكبير) أنه روي عن مالك: لا يمسح المسافر ولا المقيم؛ فإن صحت هذه الرواية فوجهها أن المسح منسوخ"، قال القاضي أبو الوليد:"وهذا عندي يبعد لأن ابن وهب روى عنه أنه قال: لا أمسح في سفر ولا حضر، وكأنه كرهه، وفي النوادر عن ابن وهب أنه قال آخر ما فارقته على المسح في السفر والحضر وكأنه وهو الذي روى عنه متأخر وأصحابه مطرف وابن الماجشون، فدلّ ذلك على أنه منعه أولا على وجه الكراهية لما لم ير أهل المدينة يمسحون ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق". وحدث ابن وهب، قال:"كنت عند مالك فسئل عن تخليل الأصابع فلم ير ذلك فتركت حتى خف المجلس فقلت: إن عندنا في ذلك سنة: حدثنا الليث .. ، عن عقبة بن عامر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا توضأت خلل أصابع رجليك) ، فرأيته بعد ذلك يسأل عنه فيأمر بتخليل الأصابع، وقال لي: ما سمعت بهذا الحديث قط إلى الآن". قال الإمام القرطبي:"وقد كان مالك -رحمه الله- في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب".

وبهذا يتبين غلط من نسب إلى الإمام مالك أنه يرد خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة بإطلاق.

7 -أدلة حجية عمل أهل المدينة:

* من السنة:

-الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الإيمان ليَأْرِز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) ، قال أبو عبيد:"أي: ينضمّ ويجتمع بعضه إلى بعض كما تنضمّ الحيّة في جحرها"، أي أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إخبارٌ بما كان في عصره وعصر من يليه من أصحابه وتابعيهم، فحصل للمدينة من الخصوصية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت