يحتاج المفتي لاستخراج الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة أن يبحث فيهما من جهتين: جهة الورود وجهة الدلالة:
أما جهة الورود فهي النقل: التحقق من ثبوت نسبة القرآن إلى الله، والتحقق من ثبوت الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك بالرواية والإسناد وأما جهة الدلالة: ما يراد بهذا الكلام، أي: مراد الشارع بهذا اللفظ.
لم يحتج الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى بحثهما لسماعهم من النبي المعصوم - صلى الله عليه وسلم - مباشرة ولأنهم أهل اللسان العربي على وجه السليقة وكذلك لم تشتد حاجة التابعين إلى البحث فيهما لسماعهم من الصحابة المعدلين بتعديل الله تعالى لهم لأن الله تعالى يقول: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} ويقول: {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} ، فنفى عنهم الفسق بحلول الرضوان عليهم وإذا انتفى عنهم الفسق وجب لهم ضده وهو العدالة ولم يحتج التابعون كذلك إلى البحث كثيرا في جهة الدلالة لأنهم من أهل اللسان العربي على وجه السليقة ولكن حين جاء أتباع التابعين احتاجوا إلى البحث في الجهتين:
أما جهة الورود فلأنهم لم يلقوا النبي المعصوم - صلى الله عليه وسلم - ولم يلقوا الصحابة المعدلين بتعديل الله وإنما لقوا التابعين وفيهم العدول وغير العدول فاحتاجوا إلى البحث في جهة الورود واحتاجوا كذلك إلى البحث في جهة الدلالة لاختلاط العرب بالعجم فاشتدت الحاجة للبحث في الدلالة فنشأت المذاهب للحاجة إلى بحث هاتين الجهتين.
ونشأ علم أصول الفقه لطروء النوازل في حياة الناس والحاجة الماسة لاستخراج أحكامها من النصوص عن طريق الاجتهاد المنضبط بطرق الاستدلال الشرعية