بذلك ما لا يوجد لغيرها، قال أبو مصعب الزبيري:"إنما أراد بالمدينة أهل المدينة وأنه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع المحدثات واقتدائهم بالسنن وأن الإيمان مجتمع عندهم وعند من سلك سبيلهم"، وقال القرطبي:"فيه تنبيه على صحة مذهب أهل المدينة وسلامتهم من البدع وأن عملهم حجة كما رواه مالك".
-الحديث المروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما المدينة كالكير تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد) ، قيل على هذا لا يمكن نسبة الخطأ لإجماع أهل المدينة، لأن الخطأ خبث يجب نفيه عنهم، ومع ذلك يقول الإمام القرافي:"وعلى كل تقدير فلا عبرة بالمكان بل لو خرجوا من هذا المكان إلى مكان آخر كان الحكم على حاله، فهذا سر المسألة عند مالك لا خصوص المكان".
وقد قام في المدينة من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أتبع الناس له من أمته: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان- رضي الله عنهم- فانفذوا سنته مع حداثة العهد بالنبوة والتشريع وشدة تحريهم لها، فكان عملهم سنة تتبع وعملا يعتمد عليه، ثم جاء التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، ووجدوا العمل شائعا بين ظهرانيها وآثار الرسول معروفة فيها ينقلها الأبناء عن الآباء، وقد استدل القائلون بأن عمل أهل المدينة غير حجة بالحديث الذي أخرجه مالك في موطئه، مالك عن عمه أبي سهل بن مالك عن أبيه أنه قال:"ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة"، قال ابن عبد البر:"فيه أن الأحوال تغيرت وانتقلت وتبدلت في زمانه ذلك عما كانوا عليه في زمان الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رحمهم الله- في أكثر الأشياء وقد احتج بهذا بعض من لم ير عمل أهل المدينة حجة وقال: لا حجة إلا فيما نقل بالأسانيد الصحاح عن النبي -عليه السلام- وعن الخلفاء الأربعة -رضي الله عنهم- ومن سلك سبيلهم من العلماء". وحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي يقول:"يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذه ويقول: (إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم) "، قال ابن عبد البر:"وفي هذا الحديث تقريع وتوبيخ من معاوية لأهل المدينة، وقد احتج به بعض من لا يرى عمل أهل المدينة حجة لأن ظاهره أن أهل المدينة لم يغيروا ذلك المنكر أو جهلوه"، ولكن الحافظ ابن عبد البر قال كذلك: