الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم، وقد عبر عنه بألفاظ مختلفة في الموطأ وغيره، وقد فشا التهاون في ادعاء عمل أهل المدينة والاحتجاج به بين بعض متأخري المالكية دون سند ولا بيّنة حتى قال العلامة الحجوي المالكي:"وهذا سلاح استعمله متأخرو المالكية مهما لم يجدوا في الحديث مطعنا ادَّعوا العمل ولا ينبغي ذلك لهم في دين الله"، وقد سبقه في هذا الإنكار القاضي أبو الوليد الباجي، لذا وجب التحوط في ثبوته.
4 -هل عمل أهل المدينة حجة في كل زمان؟
لا يعرف عن الإمام مالك القول بحجية عمل أهل المدينة في كل زمان، قال ابن القيم:"ومالك على تعظيمه أهل المدينة ما كان يرى أنه واجب على غيرهم العمل به وقصته مع الرشيد شاهد على ذلك". [1] فكأن عمل أهل المدينة الذي هو حجة عنده هو ما كان من الصحابة والتابعين خاصة، ففي رسالته إلى الليث بن سعد اقتصر على ذكر الصحابة والتابعين، وقد نص البعض على اعتباره لعمل أتباع التابعين لقوله في رسالته إلى الليث:"بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه"، وهو كلام محتمل إذ يمكن أنه قصد عمل أهل زمانه من علماء تابعي التابعين وفقهاء المدينة، أو أنه أراد أن المعمول به في المدينة والذي خالفه الليث هو عمل الصحابة أو التابعين وأن أهل المدينة وارثون له مقيمون على التأسي به، ويرى الشيخ العلامة المحقق حسن المشاط المالكي -رحمه الله- أن:"عمل أهل المدينة حجة عند مالك -رحمه الله- فيما طريقه التوقيف ولا مجال للرأي فيه".
(1) يشير إلى امتناع مالك لما عزم عليه المنصور أن يكتب إلى الأمصار ليجمع الناس على (الموطأ) فقال له:"كل الناس يؤخذ منه ويؤخذ عليه إلا صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصل هذه العبارة من عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أخذها عنه مجاهد وعنه مالك وإليه نسبت وعنه انتشرت واشتهرت ودلت على حرصه على اتباع الحق، وجاء عن مالك في سماع ابن القاسم وابن وهب وأشهب قوله:"ليس كل ما قال الرجل وإن كان فاضلا يتبع ويجعل السنة ويذهب به إلى الأمصار قال الله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} "، وقال له كذلك:"يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق لهم إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وغيرهم وإن ردهم عما اعتقدوه شديد؛ فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم"، وجاء هارون الرشيد فأراد أن يعلق الموطأ في الكعبة فقال له الإمام مالك:"يا أمير المؤمنين، أما تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- اختلفوا في الفروع فافترقوا في البلدان وكل عند نفسه مصيب"، وكان -رحمه الله- يقول:"إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وكل ما لم يوافق ذلك فاتركوه".