الصفحة 77 من 167

قال ابن خلدون:"وأما أهل الحجاز فكان إمامهم مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة -رحمه الله تعالى-، واختص بزيادة مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة، لأنه رأى أنهم فيما ينفسون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم، وهكذا إلى الجيل المباشرين لفعل النبي الآخذين ذلك عنه، وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية".

واعتبار مالك عمل أهل المدينة هو فيه تبع لسلفه من علماء أهل المدينة؛ فقد آل إليه فقه الحجازيين والتزم طريقتهم وتمسك بعمل أهل المدينة واعتمد عليه كثيرا في فروعه، وقد نُسب إليه لأنه وارث علم فقهاء المدينة ولكثرة إفتائه معتمدا على أقوالهم وقد تقع بعض فتاويه مخالفة للأخبار التي رواها فكان أشهر من أخذ بذلك فنسب القول إليه، قال القاضي عياض: عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أنه قال:"إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه سنة". وقال ابن عمر -رضي الله عنه-:"لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر فيها إلى أهل المدينة فإذا أجمعوا على شيء فعلوه صلح الأمر، ولكنهم إذا نعق ناعق تبعه الطاس". [1] لذا كان عمل أهل المدينة من أمهات المسائل عند الإمام مالك حتى أنه قد يقدمه في حالات على الحديث الآحاد لأن العمل عنده في حكم السنة المتواترة وهو بمنزلة روايتهم الحديث، ورواية الجماعة أقوى من رواية الفرد؛ فعملهم استمداد لسنة

(1) اشتهر الإمام مالك بعمل أهل المدينة ولكن لم ينفرد به بل هو مسبوق إليه من سلفه من فقهاء الصحابة والتابعين واعتبروه حجة معتمدة عندهم، من ذلك أقضية عمر بن الخطاب وتتبعه للسنن واعتماده على مشاورة الصحابة الذين كانوا متوافرين بالمدينة، وأقضية عثمان بعده وأخذ عنهم التابعون تلك القضايا مع ما انضاف إليها من آثار الصحابة وأقضية الأئمة وكان العمل يتمثل فيما اشتهر من تلك القضايا وعرف مأخذا لأهل المدينة فكانوا يحتجون به ويستعملون هذا المصطلح.

ثم جاء الإمام مالك فنهج نهجهم ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال على المنبر:"أحرج بالله -عز وجل- على رجل روى حديثا العمل على خلافه"، وكان أبو الدرداء يسأل فيجيب فيقال له: بلغنا كذا وكذا بخلاف ما قال فيقول:"وأنا قد سمعته ولكني أدركت العمل على غيره"، ونقل ابن عبد البر عن أبي بكر بن عبد الرحمن المدني أنه وصف عمل أهل المدينة بأنه"الحق الذي لا شك فيه"، وروي عن سعيد بن المسيب أنه حينما سئل عن الرجل يتزوج وهو محرم فقال:"أجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما"، وروي عن أبي الزناد أنه قال:"كان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية التي يعمل بها فيثبتها وما كان منها لا يعمل به الناس ألقاه وإن كان مخرجه من ثقة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت