الصفحة 76 من 167

اعتمد الإمام مالك عمل أهل المدينة دليلا شرعيا لاعتقاده أنه سنة متوارثة في المدينة عن صاحب الشريعة، قال الإمام القرطبي:"فإجماع أهل المدينة ليس حجة من حيث إجماعهم، بل إما هو من جهة نقلهم المتواتر وإما من جهة مشاهدتهم لقرائن الأحوال الدالة على مقاصد الشرع".

وتوصلت دراسة معاصرة قامت على مقارنة تطبيقية بين آراء الموافقين والمخالفين للإمام مالك في بعض المسائل التي بناها مالك على عمل أهل المدينة أن هذا الأصل غير مستقل عن السنة بل هو مبني عليها وتفسير لها، وذكر صاحب الدراسة أن من نتائج بحثه أنه وجد أن الإمام مالك لم ينفرد بمسألة من المسائل التي استدل عليها بعمل أهل المدينة بل لا بد له من موافق من أحد المذاهب فيها وأن من وافقه في مسألة من المسائل يستدل عليها بأحاديث وهي ثابتة عند مالك بعمل أهل المدينة وعليه يكون الأخذ بعمل أهل المدينة إنما هو أخذ بالسنة واتباع لها.

3 -حجية عمل أهل المدينة:

عمل أهل المدينة أصل من أصول مذهب الإمام مالك وحجة عنده وقاعدة خاصة بالمذهب المالكي ويعبرون عنها بقولهم:"من أصول مالك اتباع عمل أهل المدينة"، أي أنه أصل ودليل تبنى عليه الأحكام الشرعية؛ فإن الإمام مالك عدّ عمل أهل المدينة دليلا قائما بذاته كسائر الأدلة.

قال الناظم:

وعند مالك وأهل المذهب .. معتبر إجماع أهل يثرب [1]

(1) مما جاء في رسالة الإمام مالك إلى الليث بن سعد:"اعلم -رحمك الله- أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلهم إليك أو اعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} الآية، وقال تعالى: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} الآية، فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه حتى توفاه الله واختار له ما عنده -صلوات الله عليه ورحمته وبركاته-، ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال أمرا غيره أقوى منه وأولى تُرك قوله وعمل بغيره، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل ويتبعون تلك السنن فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت