رأيي، وذلك إذا كان رأيهم مثل رأي الصحابة أدركوهم عليه وأدركتهم أنا على ذلك فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا، وما كنت أرى؛ فهو رأي جماعة ممن تقدم من الأئمة، وما كان فيه الأمر المجتمع عليه؛ فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه وما قلت: الأمر عندنا؛ فهو ما عمل الناس به عندنا وجرت به الأحكام وعرفه الجاهل والعالم، كذلك ما قلت فيه: ببلدنا، وما قلت فيه: بعض أهل العلم؛ فهو شيء أستحسنه في قول العلماء، وأما ما لم أسمعه منهم؛ فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك موضع الحق أو قريب منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم وإن لم أسمع ذلك بعينه فنسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة الراشدين مع من لقيت فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيرهم"."
2 -هل عمل أهل المدينة إجماع؟
اختلف المالكية أنفسهم: هل عمل أهل المدينة من باب الإجماع، أم أنه من باب المتواتر؟
وقوع الخلط بين الإجماع وعمل أهل المدينة نتج عن سوء فهم لقول الإمام مالك في بعض المسائل:"الأمر المجمع عليه"، ومالك لم يستعمل كلمة الإجماع مطلقة في الموطأ، بل يستعملها مضافة، وكان سعيد بن المسيب يستعمل مصطلحا قريبًا منه:"أجمع أهل المدينة"، وليس مرادهما الإجماع الاصطلاحي، وغاية ما يستفاد من كلام الإمام مالك أن عمل أهل المدينة حجة عنده لا أنه إجماع. يقول ابن خلدون:"واعلم أن الإجماع إنما هو الاتفاق على الأمر الديني عن اجتهاد ومالك -رحمه الله تعالى- لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى؛ وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع -صلوات الله وسلامه عليه-، وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة، وإنما ذكرت في باب الإجماع من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الإجماع إلا أن اتفاق أهل الإجماع عن نظر واجتهاد في الأدلة واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم، ولو ذكرت المسألة في باب فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقريره أو مع الأدلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق".