الصفحة 61 من 167

فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله"."

تنبيه:

الأمة والجماعة والطائفة المراد بها أهل السنة والجماعة وليس مطلق الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وعرف هذا بالنظر إلى بقية النصوص التي تصف شروط الجماعة والطائفة والفرقة الناجية؛ فهذه النصوص من الكتاب والسنة أصل لقاعدة عظيمة هي: عصمة الأمة عن الخطأ والضلالة، ويلزم من ذلك وجوب اتباع الجماعة ولزومها وتحريم مفارقتها.

وهؤلاء الذين فارقوا الجماعة هم من الفرق النارية التي وردت في حديث الافتراق والتي لا يعتد بخلافها للجماعة، فإن قول الأمة مجتمعة لا يكون إلا حقا وكذلك فإن العصمة إنما تكون لقول الكل دون البعض ولم تشترط نصوص الوحيين عددًا معينًا، فمتى ثبت اتفاق أهل الإجماع وجب اتباع قولهم وثبتت العصمة لقولهم الذي اجتعموا عليه، فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر كما قال بعض المتكلمين لأن الدليل الشرعي لم يشترط ذلك، بل إنه علق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط.

كذلك دلت هذه النصوص على أن الإجماع حجة ماضية في جميع العصور سواء في ذلك عصر الصحابة وعصر من بعدهم [1] إذ لا تصحُّ دعوى حصر حجية الإجماع في عصر الصحابة دون غيرهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع

(1) نقل عن الإمام أحمد قوله المشهور:"من ادعى الإجماع فهو كاذب"، وقد حملها أهل العلم على عدة أوجه لكونه يحتج بالإجماع ويستدل به في كثير من الأحيان مع أن ظاهر هذه المقالة منع وقوع الإجماع.

وقيل في توجيهها: أنه قال ذلك من باب الورع لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو أنه قال ذلك في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ إذ نقل عنه أيضا قوله:"هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون؟"، ولكن يقول:"لا أعلم فيه اختلافًا"، فهو أحسن من قوله:"إجماع الناس"، فيجب الاحتياط في نقل الإجماع والتثبت في ادعائه، فإن الجزم باتفاق العلماء هو من قبيل عدم العلم وليس من قبيل العلم بالعدم، وعدم العلم لا حجة فيه، فالأفضل أن يقال:"لا نعلم نزاعا"أما القول بأن:"الناس مجمعون"فيصح فيما علم واشتهر ضرورة الاتفاق عليه. قال ابن القيم:"وليس مراده بهذا استبعاد وجود الإجماع ولكن أحمد وأئمة الحديث بُلوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها فبين الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت