الصفحة 166 من 167

أي أن الأولى أن يطلب المكلف مخرجا من التورط في الخلاف بحيث يكون تصرفه سائغا لا يلام عليه شرعا ولا يترتب عليه عقاب لدى أي من أصحاب الأقوال المتخالفة، ولكن هذا المعنى العام ليس هو أصل مراعاة الخلاف عند المالكية، إذ أنهم يفرقون بين الخروج من الخلاف ومراعاة الخلاف، وكل منهما قاعدة خاصة مستقلة عندهم، فينبغي التنبه لكون هذا المصطلح له استعمال خاص بالمالكية يختلف عن استعمال غيرهم له.

فإن مراعاة الخلاف على قسمين:

* مراعاة جزئية:

وهي اعتبار المجتهد لمذهب المخالف من وجه، وأخذه بمذهبه من وجه آخر، ولكن يعمل بهذه المراعاة -تبرءً وإنفاذًا- بعد وقوع الفعل المختلف فيه وليس قبل وقوعه، وهذه هي مراعاة الخلاف المقصودة عند المالكية، وتقوم مراعاة الخلاف وفق هذا المعنى على أساس مراعاة الرأي المرجوح بعد وقوع الفعل، لأن المرجوح بعد وقوع الفعل قد يصبح له نظر واعتبار آخر لا سيما وأن دليله ليس مهدرا بالكلية وإنما يحتمل الصحة والصواب احتمالًا قويا، وقد عبر القباب عن هذا المعنى بقوله:"إن الأدلة الشرعية منها ما تتبين قوته تبينا يجزم الناظر فيه بصحة أحد الدليلين والعمل بإحدى الأمارتين، فها هنا لا وجه لمراعاة الخلاف ولا معنى له، ومن الأدلة ما يقوى فيها أحد الدليلين وتترجح فيها إحدى الأمارتين قوة ورجحانا ما لا ينقطع معه تردد النفس وتشوفها إلى مقتضى الدليل الآخر، فههنا تحسن مراعاة الخلاف فيقول الإمام ويعمل ابتداء على الدليل الأرجح لمقتضى الرجحان في غلبة ظنه، فإذا وقع عقد أو عبادة على مقتضى الدليل الآخر؛ لم يفسخ العقد ولم تبطل العبادة لوقوع ذلك على موافقة دليل له في النفس اعتبار وليس إسقاطه بالذي تنشرح له النفس، فهذا معنى قولنا إعطاء كل دليل حكمه فيقول المجتهد ابتداءً بالدليل الذي يراه أرجح ثم إذا وقع العمل على مقتضى الدليل الآخر راعى ما لهذا الدليل من القوة التي لم يسقط اعتبارها في نظره جملة فهو توسط بين موجب دليلين".

* مراعاة كلية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت