كثيرة"، وقد اعترض القاضي عياض [1] على أصل مراعاة الخلاف وقال بأنه مخالف للقياس الشرعي؛ إذ القياس أن يجري المجتهد على مقتضى الدليل، واستشكل عدم اطراده وعده من التحكم الباطل وترجيحا بلا مرجح، وأجاب ابن عرفة بأن رعي الخلف حجة في بعض المسائل دون بعض، وضابط ذلك رجحان دليل المخالف عند المجتهد على دليله في لازم مدلول دليل المخالف، فليس تحكما لأن له مرجحا، وثبوت الرجحان ونفيه إنما يكون بحسب نظر المجتهد في النوازل،"
واعترضوا على رعي الخلاف كذلك بأنه يقتضي إثبات اللزوم بدون لازمه، لأن فيه إثبات ملزوم دليل المجتهد المراعي للخلاف، بدون لازمه، كما في إيجاب فسخ نكاح الشغار دون لازمه -الذي هو عدم الإرث بين الزوجين- وذلك محال، وأجيب بأن استحالة وجود الملزوم بدون لازمه لا تكون إلا في اللزوم العقلي، وأما اللزوم الشرعي فلا استحالة في انفكاك الملزوم فيه عن اللازم مع وجود ملزومه كموجبات الإرث -كالبنوة مثلا-، فإنها ملزومة للإرث شرعا أي جعلها الشرع ملزومة له، وقد ينتفي الإرث بموانع كالكفر والرق مع وجود البنوة.
وقول الناظم: (وهل على مُجتهدٍ رَعْيُ الخلافْ .. يجب أم لا قد جرى فيهِ اختلافْ) :
يعني به أن المالكية اختلفوا هل رعي الخلاف يجب على كل مجتهد من المالكية أم لا يجب على قولين، قال الشاطبي:"مراعاة الأقوال الضعيفة أو غيرها شأن المجتهدين من الفقهاء، إذ مراعاة الخلاف إنما معناها مراعاة دليل المخالف حسبما فسره لنا بعض شيوخنا المغاربة، ومراعاة الدليل أو عدم مراعاته ليس إلينا معشر المقلدين،"
(1) يقول الونشريسي:"إن مراعاة الخلاف قد عابه جماعة من الفقهاء منهم"اللخمي"و"عياض"وغيرهما من المحققين، حتى قال عياض:"القول بمراعاة الخلاف لا يعضده القياس، وكيف يترك العالم مذهبه الصحيح عنده ويفتي بمذهب غيره المخالف لمذهب هذا لا يسوغ إلا عند الترجيح وفوت فوات النازلة فيسوغ له التقليد ويسقط عنه التكليف في تلك الحادثة"، وذكر الشاطبي الحافظ ابن عبد البر من بين أساطين المذهب الذين أشكلت عليهم هذه القاعدة بل ذكر أنه هو نفسه كان يستشكله، لذا راسل بخصوصه شيوخه المالكية من المغاربة كالإمام ابن عرفة التونسي والإمام القباب ويقول في ذلك:"ولقد كنت أنحى هذا المنحى لولا أنه اعتضد وتقوى لوجدانه في فتاوى الخلفاء وأعلام الصحابة وجمهورهم مع عدم النكير"."